مصطفى أحمد البقالي… أول بطل رسمي للمغرب والرئيس الذي قاد مرحلة التأسيس



تقديم
لا يمكن كتابة تاريخ الشطرنج المغربي الحديث دون تخصيص مكان بارز لمصطفى أحمد البقالي. فقد كان من أوائل المغاربة الذين مارسوا اللعبة في أندية كان يهيمن عليها اللاعبون الإسبان خلال فترة الحماية، ثم أصبح أول بطل رسمي للمغرب، ولاعب الطاولة الأولى للمنتخب الوطني في أولى مشاركاته الأولمبية، وأحد مؤسسي الجامعة الملكية المغربية للشطرنج، قبل أن يتولى رئاستها إحدى عشرة سنة متواصلة.
جمع البقالي بين قوة اللاعب، وخبرة المنظم، وحضور المسير داخل المؤسسات العربية والدولية. لكن تجربته لم تكن خالية من الملاحظات؛ فقد أشاد به معاصروه باعتباره رجلا متفانيا في خدمة الشطرنج، بينما رأى بعض الفاعلين أن أسلوبه في القيادة كان مركزيا وقويا، يجعل القرار مرتبطا إلى حد بعيد بشخص الرئيس.
طفل تطوان الذي تعلم الشطرنج في محيط إسباني
ولد مصطفى أحمد البقالي بمدينة تطوان سنة 1924، في مرحلة كانت فيها المدينة عاصمة للمنطقة الخليفية الخاضعة للحماية الإسبانية. وكان الشطرنج منتشرا نسبيا داخل الأوساط الإسبانية المقيمة بشمال المغرب، وخصوصا في المقاهي والنوادي الاجتماعية التي لم يكن دخول المغاربة إليها مألوفا في البداية.
كان البقالي من أوائل المغاربة الذين انضموا إلى نادي الاتحاد بتطوان – Club l’Union، الذي كان يشكل آنذاك مركزا رئيسيا للاعبي الشطرنج الإسبان. وتذكر شهادة منشورة بعد وفاته أنه تقدم بسرعة متأثرا بصديقه وأستاذه إدريس بنعبود، أحد الرواد الكبار للشطرنج التطواني، كما استفاد من الاحتكاك بالهواة الإسبان الذين كانوا أكثر خبرة في الافتتاحيات ونظم المنافسات.
وتفيد مصادر محلية بأنه فاز خلال أواخر الأربعينيات ببطولة المنطقة الخليفية أكثر من مرة، ومثل شمال المغرب في تظاهرات أقيمت بمنطقة الأندلس خلال مطلع الخمسينيات. كما تذكر شهادة محمد مبارك ريان أنه بلغ سنة 1948 مرحلة متقدمة من بطولة إسبانيا الفردية. غير أن المصدر نفسه يعترف بقلة الوثائق المتعلقة بهذه الفترة، لذلك تبقى تفاصيل مشاركته الإسبانية ونتيجتها الدقيقة محتاجة إلى وثائق أو صحف إسبانية معاصرة تثبتها بصورة نهائية.
ومع ذلك، فإن مجرد حضوره في تلك البيئة يوضح كيف تشكلت شخصيته الشطرنجية. فقد تعلم اللعبة قبل إنشاء الجامعة المغربية وقبل ظهور بطولة وطنية رسمية، في زمن كان فيه اللاعب المغربي يعتمد على المبادرة الشخصية والاحتكاك بالأجانب للحصول على الكتب والمجلات والخبرة النظرية.
من بطولات المنطقة إلى أول بطولة رسمية للمغرب
بعد استقلال المغرب، بدأ الرواد يفكرون في تأسيس إطار وطني يجمع الأندية واللاعبين. وتأسست الجامعة الملكية المغربية للشطرنج يوم 2 نونبر 1963 بفندق زلاغ بمدينة فاس. وكان مصطفى البقالي من بين أعضائها المؤسسين، قبل أن يتولى عمليا جانبا مهما من تدبيرها بين 1965 و1969، عندما كانت الجامعة الفتية تعتمد على تطوان مركزا رئيسيا لنشاطها.
وكان أول اختبار رياضي كبير للجامعة تنظيم البطولة الوطنية الفردية الأولى في يوليوز 1965 بتطوان. أقيمت المنافسة في نادي الاتحاد، وحملت بعد موافقة الديوان الملكي اسم كأس ولي العهد سيدي محمد. وتولى وزير الشباب والرياضة آنذاك الحضور إلى تطوان لتسليم الكأس إلى الفائز.
شارك ثمانية من أبرز لاعبي المغرب، وأقيمت البطولة بنظام الدوري الكامل. فاز مصطفى البقالي باللقب بعدما أحرز ست نقاط من سبع مباريات، متقدما على أحمد الحضري من طنجة الذي حصل على خمس نقاط، ومحمد بلعربي من الدار البيضاء صاحب 4,5 نقاط. وضمت اللائحة أيضا أحمد بنيس، وإدريس بنعبود، ومختار القادري، والحسين بنيس ومحمد عبو المراكشي.
لم يكن فوزه مجرد لقب رياضي؛ فقد أصبح البقالي أول بطل رسمي للمغرب في تاريخ الجامعة. وكان اللقب يحمل آنذاك قيمة رمزية كبيرة، لأن حامله كان ينظر إليه باعتباره أقوى لاعب في البلاد وممثلها الأول في المحافل الخارجية.
وأكد البقالي تفوقه في غشت 1966، عندما احتفظ بالبطولة الوطنية التي أقيمت للمرة الثانية في تطوان. وبذلك أصبح أول لاعب يحرز اللقب مرتين متتاليتين. ثم غاب عن منصة التتويج خلال البطولات التالية، قبل أن يعود سنة 1973 وينتزع لقبه الثالث. وتجمع السجلات المتاحة على أنه بطل المغرب ثلاث مرات: 1965 و1966 و1973، ولا يوجد ما يثبت وصفه ببطل المغرب خمس مرات الذي ورد في بعض الكتابات المحلية المتأخرة.
مباراة 1973… بطولة المغرب تحت أضواء التلفزيون.
تميز لقب البقالي الثالث بطابع خاص. فبطولة 1973 لم تنظم في صورة دوري عادي فقط، بل صيغت مرحلتها الحاسمة في شكل مواجهة مباشرة بين البقالي ومنافسه أحمد بنيس، مستلهمة الأجواء التي أحاطت بمباراة القرن بين بوبي فيشر وبوريس سباسكي سنة 1972.
أقيمت المواجهة بالرباط، وتابعتها القناة التلفزيونية الوطنية، التي كانت تقدم تقارير وتعليقات عنها في النشرة الإخبارية الرئيسية. وبعد فوزه باللقب، استقبلت مدينة تطوان البقالي في حفل خاص ترأسه عامل المدينة آنذاك. وتوضح هذه التفاصيل المكانة التي كانت تحظى بها بطولة المغرب والشطرنج في وسائل الإعلام خلال تلك الفترة.
وتوجد ملاحظة توثيقية مهمة بشأن اسم منافسه: تذكر بعض شهادات النعي أنه واجه «محمد بنيس»، لكن قوائم أبطال المغرب تثبت أن صاحب لقبي 1968 و1972 كان أحمد بنيس، ولذلك يبدو أن ورود اسم محمد في شهادة لاحقة كان خطأ في الاسم.
مستوى دولي متقدم بمقاييس المرحلة
تظهر قائمة التصنيف الدولي لسنة 1969 اسم مصطفى أحمد البقالي بوصفه اللاعب المغربي الوحيد المدرج فيها، برصيد 2170 نقطة. ولا ينبغي مقارنة هذا الرقم آليا بتصنيفات العصر الحالي، بسبب اختلاف عدد البطولات المصنفة وطرق احتساب القوائم، لكنه يؤكد أنه كان معروفا دوليا بوصفه اللاعب الأول أو أحد أبرز لاعبي المغرب.
وفي أولمبياد بوينس آيرس سنة 1978، أدرج برصيد 2200 نقطة. وكان قد تجاوز الرابعة والخمسين وأصبح منشغلا أساسا برئاسة الجامعة، ومع ذلك بقي ضمن المنتخب الوطني واستطاع تسجيل نقطة من مباراتين.
وتصفه شهادات معاصريه بأنه لاعب يميل إلى الهجوم، ويتمتع بحس تكتيكي وشجاعة في خوض المواقع المعقدة. وكان ميخائيل تال، بطل العالم المعروف بتضحياته وهجماته، من لاعبيه المفضلين. ولم يكن البقالي مجرد لاعب يعتمد على الموهبة؛ فقد عرف أيضا باهتمامه بالنظرية ودراسة الافتتاحيات، حتى وصفه محمد حجاج بأنه من أقوى المنظرين المغاربة في جيله.
قائد المنتخب في أول ظهور أولمبي للمغرب
شارك المغرب لأول مرة في أولمبياد الشطرنج سنة 1966 بهافانا في كوبا، وأسندت الطاولة الأولى إلى مصطفى البقالي. وكان ذلك يعني أنه يواجه أقوى لاعب في كل منتخب منافس.
خاض في هافانا 16 مباراة، فحقق خمسة انتصارات وتعادلا واحدا مقابل عشر هزائم، وجمع 5,5 نقاط. أما المنتخب المغربي فضم إلى جانبه أحمد الحضري، وأحمد بنيس، وإدريس بنعبود، ومختار القادري وعبد الكريم بنونة. وكانت المشاركة مدرسة قاسية لمنتخب ناشئ وجد نفسه أمام لاعبين محترفين وقوى شطرنجية ذات تقاليد راسخة.
وعاد البقالي إلى الطاولة الأولى في أولمبياد لوغانو بسويسرا سنة 1968. لعب 17 مباراة، وفاز بثلاث وتعادل في خمس وخسر تسعا، محققا 5,5 نقاط مرة أخرى. وقد كان نظام الأولمبياد آنذاك يقوم على مجموعات تمهيدية ثم نهائيات ترتيبية، وهو ما كان يفرض عددا كبيرا من المباريات ومواجهات صعبة ومتتالية.
أما مشاركته الثالثة فكانت في أولمبياد نيس بفرنسا سنة 1974، حيث لعب مجددا على الطاولة الأولى. خاض 17 مباراة وفاز بثلاث وخسر أربع عشرة، في دورة واجه فيها لاعبين من مستويات عالية، من بينهم الهولندي يان تيمان الذي أصبح لاحقا أحد أبرز منافسي بطولة العالم.
وفي بوينس آيرس سنة 1978، شارك بصفته احتياطيا ثانيا، بعد أن كانت مسؤوليات رئاسة الجامعة قد قللت كثيرا من نشاطه كلاعب. لعب مباراتين فقط، ففاز بواحدة وخسر الأخرى. وبذلك بلغ مجموع رصيده في أربع أولمبيادات 52 مباراة: 12 انتصارا، وستة تعادلات و34 هزيمة، بمجموع 15 نقطة.
ولا تعكس نسبة النقاط وحدها قيمة مشاركاته؛ فقد تحمل عبء الطاولة الأولى في ثلاث دورات، وكان يواجه في كل جولة أقوى لاعب لدى الخصم، في وقت لم يكن فيه المغرب يتوفر على مدربين محترفين أو برنامج إعداد دولي منتظم.
تعادله الشهير مع فولفغانغ أولمان.
تظل مباراته أمام الأستاذ الدولي الكبير الألماني الشرقي فولفغانغ أولمان في أولمبياد لوغانو 1968 من أشهر مبارياته.
كان أولمان واحدا من كبار المتخصصين عالميا في الدفاع الفرنسي. اختار البقالي مواجهته في هذا الافتتاح نفسه، وانتهت المباراة بالتعادل بعد 45 نقلة. وتؤكد قواعد بيانات المباريات أن اللقاء جرى في تفريع فيناور من الدفاع الفرنسي وانتهى بنصف نقطة لكل لاعب.
ويروي محمد مبارك ريان أن المباراة دامت نحو إحدى عشرة ساعة، وأن البقالي ظل يذكرها بفخر سنوات طويلة. لا تتوافر لدينا ورقة توقيت رسمية تثبت مدة الساعات، لكن نتيجة المباراة وعدد نقلاتها وهوية الخصم موثقة، وهو ما يجعل التعادل نتيجة بارزة للاعب مغربي كان يخوض ثاني أولمبياد في تاريخ بلاده.
المشاركة في أولمبياد طرابلس سنة 1976
شارك البقالي أيضا ضمن المنتخب المغربي في تظاهرة طرابلس سنة 1976، التي نظمت بالتزامن مع الأولمبياد الرسمي المقام في حيفا. كانت المسابقة الليبية حدثا سياسيا ورياضيا غير معترف به بوصفه أولمبيادا رسميا من الاتحاد الدولي، وشاركت فيها الدول العربية وعدد من الاتحادات التي قاطعت دورة حيفا.
ضم المنتخب المغربي مصطفى البقالي ومختار القادري وعبد الرحمن النجار، واحتل المغرب مركزا مشتركا ضمن المراتب من 13 إلى 15 برصيد 26,5 نقطة. ويجب لذلك وصف مشاركة البقالي بأنها مشاركة في أولمبياد طرابلس المضاد أو غير الرسمي، وليس ضمن سجل أولمبيادات الاتحاد الدولي الأربع التي خاضها.
بطل مع الأندية وقائد للمنتخب.
إلى جانب البطولات الفردية، تذكر شهادة للاعب والمسير محمد حجاج أن البقالي توج أيضا ببطولة المغرب للأندية مع نادي ليكسوس العرائش، وأنه اضطلع بمهمة قائد المنتخب الوطني. غير أن قوائم بطولة الأندية في تلك المرحلة ليست متاحة كاملة على الإنترنت، لذلك تظل السنة وتشكيلة الفريق والنتائج التفصيلية محتاجة إلى مزيد من البحث في أرشيف الجامعة والصحافة القديمة.
وتكشف هذه الشهادة، حتى مع نقص التفاصيل، أن نشاطه لم يقتصر على البطولات الفردية والمنتخب، بل امتد إلى حياة الأندية في شمال المغرب، حيث كانت تطوان والعرائش وطنجة وشفشاون من أهم مراكز اللعبة.
من تأسيس الجامعة إلى رئاستها.
كان البقالي عضوا مؤسسا للجامعة الملكية المغربية للشطرنج سنة 1963. وبين 1965 و1969، تولى جزءا أساسيا من إدارتها الفعلية، رغم أنه لم يكن يحمل رسميا منصب الرئيس. وكانت الجامعة في سنواتها الأولى محدودة الموارد وتعتمد بدرجة كبيرة على مبادرات أعضائها وعلاقاتهم الشخصية.
وفي يوليوز 1975، انتخب بالإجماع رئيسا للجامعة خلال جمع عام عقد بتطوان. استمر في المنصب إلى دجنبر 1986، أي نحو إحدى عشرة سنة، وهي واحدة من أطول فترات الرئاسة في تاريخ الجامعة المغربية للشطرنج. أدى انتقاله إلى التسيير إلى تقليص مشاركاته كلاعب، خصوصا أنه كان يجمع بين إعداد البرامج الوطنية والسفر إلى الاجتماعات الدولية ومتابعة الأندية والمنتخبات.
ويصف محمد مبارك ريان تلك المرحلة بأنها فترة مهمة تمكنت فيها الجامعة، بمساعدة محمد الحسين البهاوي وطاقم من المسيرين، من تقوية أسسها الإدارية، وتنويع أنشطتها الوطنية، وتوسيع خريطة الأندية، والمشاركة في تظاهرات دولية، رغم أن منحة الوزارة لم تكن تتجاوز في أفضل الحالات نحو ستين ألف درهم سنويا.
كانت تلك الموارد محدودة جدا أمام تكاليف نقل المنتخبات وتنظيم البطولات واقتناء الساعات والرقع والمراسلة مع الاتحاد الدولي. لذلك اعتمد البقالي كثيرا على علاقاته الشخصية وعلى خبرته بالوسط الإسباني، وعلى شبكة معارفه في الجامعة الدولية.
حضور عربي ودولي
كان البقالي ملما نسبيا بآليات الاتحاد الدولي للشطرنج، وساعدته علاقاته الإسبانية وإجادته التواصل مع الأوساط الأوروبية في تمثيل المغرب داخل الاجتماعات الدولية.
وتذكر شهادات معاصريه أن رئيس الاتحاد الدولي فلورينسيو كامبومانيس زار المغرب مرتين في عهده، ومن بين الزيارتين حضوره إلى شفشاون خلال البطولة الوطنية الفردية الخامسة عشرة في مارس 1984. كما كان البقالي من بين مؤسسي الاتحاد العربي للشطرنج، وشارك في تنظيم بطولة عربية داخل المغرب.
ولا تكمن أهمية هذه العلاقات في بعدها التشريفي فقط؛ فقد كانت الجامعة المغربية صغيرة الإمكانات، وكان حضور رئيسها في دوائر الاتحاد الدولي والعربي وسيلة للحصول على الدعوات وضمان مشاركة المنتخب وإدخال المغرب ضمن خريطة الشطرنج المنظم.
نجاحات إدارية… وتسيير شديد المركزية.
ينظر أنصار البقالي إلى فترته باعتبارها مرحلة بناء. فقد كان منظما دقيقا، يتابع التفاصيل الصغيرة، ويبذل وقتا كبيرا في خدمة الجامعة. وتصفه شهادة النعي بأنه ضحى بجزء من اهتمامه بأعماله التجارية والعقارية من أجل الشطرنج، وكان معروفا بالحيوية وروح الدعابة والعلاقات الواسعة.
لكن الصورة ليست مثالية بالكامل. فقد وصفه المصدر نفسه بأنه كان إداريا سلطويا في بعض الأحيان. كما رأى محمد مبارك الريان، في قراءة لاحقة لتاريخ الجامعة، أن تصور البقالي للتسيير كان يقوم على ثقة قوية بخبرته الشخصية وعلى هيمنة الرئيس على أجهزة الجامعة، حتى إن إنشاء مجلس فيدرالي لم يؤد إلى تقليص نفوذ الرئاسة بصورة حقيقية.
ولا تعني هذه الملاحظات أنه كان متهما بالفساد أو استغلال الجامعة، بل تتعلق أساسا بطبيعة الحكم الرياضي في تلك المرحلة: رئيس قوي يقود المؤسسة شخصيا ويختار مساعديه ويحتفظ بجزء واسع من القرار. وقد تكون هذه المركزية ساعدت على سرعة التنظيم في جامعة ضعيفة الموارد، لكنها جعلت المؤسسة مرتبطة بدرجة كبيرة بشخص الرئيس.
نهاية رئاسته ومرارة انتخابات 1986
انتهت مرحلة البقالي في دجنبر 1986 عندما خسر انتخابات رئاسة الجامعة أمام محمد الحلوي، المنتمي إلى محيط البنك الشعبي. وتذكر الشهادات أن خروجه ترك لديه شعورا بالمرارة، خصوصا بعد إحدى عشرة سنة من العمل المتواصل.
وفي السنة التالية، قرر الاتحاد العربي للشطرنج تكريمه، بينما تشير شهادة محمد مبارك ريان إلى أن القيادة الجديدة للجامعة لم تتجاوب مع التكريم بالصورة التي كان ينتظرها البقالي. وهذه رواية صادرة عن أحد معاصريه، ولا تتوافر حاليا وثائق الطرف الآخر لعرض تفسير مواز للواقعة.
أما المؤكد فهو حصوله لاحقا على وسام الاستحقاق الرياضي من الملك الراحل الحسن الثاني. وتثبت السير المختصرة حصوله على الوسام، لكن السنة الدقيقة غير مؤكدة؛ إذ ترد سنة 1997 في شهادة بصيغة الاحتمال، ولذلك من الأفضل عدم اعتمادها كحقيقة نهائية دون وثيقة رسمية.
استمرار ارتباطه بالتكوين.
لم ينقطع البقالي نهائيا عن الرقعة بعد مغادرة الرئاسة. وتحتفظ صفحة قديمة لنادي الفتح الرباطي بصورة وإشارة إلى تقديمه عرضا أو حصة تطبيقية في مدرسة الشطرنج التابعة للنادي، بوصفه أول بطل للمغرب والرئيس السابق للجامعة. ويبين ذلك أنه ظل ينقل خبرته إلى الناشئين حتى سنواته الأخيرة.
كما حملت دوريات محلية بتطوان اسمه، ونظمت مسابقات على كأس مصطفى البقالي تخليدا لذاكرته، وهو تكريم يعكس ارتباط اسمه بالمدينة وبمرحلة الريادة الشطرنجية في شمال المغرب.
وفاته وتكريم ذاكرته.
توفي مصطفى أحمد البقالي بمدينة تطوان يوم 13 يوليوز 2005، بعد مرض طويل، عن عمر بلغ 81 سنة. وقد وصفه محمد مبارك الريان في نعيه بأنه رجل طبع نصف قرن من تاريخ الشطرنج المغربي.
وبعد أشهر قليلة من وفاته، خصصت له الدورة الخامسة والثلاثون من البطولة الوطنية الفردية تكريما رسميا، وأقيمت بتطوان بين نهاية دجنبر 2005 ومطلع يناير 2006. وأشارت الصحافة آنذاك إلى أنه أعطى كثيرا من وقته لتطوير الشطرنج بتطوان والمغرب، ومثل البلاد في الاجتماعات والأنشطة الدولية.
كيف يمكن تقييم إرثه؟
يمكن النظر إلى مصطفى البقالي من أربع زوايا مترابطة:
اللاعب الرائد: تعلم اللعبة في بيئة مختلطة مغربية إسبانية، وتفوق في بطولات المنطقة قبل إنشاء البطولة المغربية.
البطل الوطني: فاز بأول بطولة رسمية للمغرب، واحتفظ باللقب في السنة التالية، ثم استرده سنة 1973 في مواجهة حظيت بتغطية تلفزيونية واسعة.
الدولي المغربي الأول: حمل مسؤولية الطاولة الأولى في ثلاث أولمبيادات، وواجه لاعبين كبارا، وحقق تعادلا تاريخيا أمام فولفغانغ أولمان.
المؤسس والمسير: شارك في تأسيس الجامعة، وأدارها عمليا في سنواتها الأولى، ثم ترأسها إحدى عشرة سنة ساهم خلالها في بناء هياكلها وتوسيع أنشطتها وعلاقاتها الدولية.
خاتمة
لم يكن مصطفى البقالي مجرد اسم في لائحة أبطال المغرب. لقد كان واحدا من الرجال الذين نقلوا الشطرنج المغربي من مرحلة الأندية المحدودة التي كان يهيمن عليها الأجانب إلى مرحلة البطولة الوطنية والمنتخب والجامعة والتمثيل الدولي.
بدأ لاعبا مغربيا شابا يتحدى خبرة الإسبان في تطوان، ثم صار أول بطل رسمي للبلاد، وحمل العلم المغربي على الطاولة الأولى في هافانا ولوغانو ونيس. وعندما انتقل إلى التسيير، قاد الجامعة في زمن كانت فيه الإمكانات قليلة، والوثائق ترسل بالبريد، والسفر الدولي يحتاج إلى علاقات وجهد شخصي كبير.
يمكن الاختلاف حول أسلوبه المركزي في الإدارة، لكن يصعب الاختلاف حول حجم حضوره. فقد أعطى الشطرنج المغربي عقودا من حياته، وبقي اسمه مرتبطا بثلاث محطات مؤسسة: أول بطولة وطنية، وأول منتخب أولمبي، ومرحلة بناء الجامعة.
ولهذا يستحق مصطفى أحمد البقالي أن يوصف بأنه أحد الآباء المؤسسين للشطرنج المغربي، لا بصفته رئيسا سابقا فقط، بل بصفته لاعبا وبطلا ومنظما صنع جزءا أساسيا من ذاكرة اللعبة الوطنية.
تم إعداد هذا المقال التوثيقي بالاعتماد على عدة مراجع رقمية
أضف تعليق