جمال مصلة… لاعب وحكم ومنظم جعل من الشطرنج مجالا للتحدي وصناعة الأمل

يعد جمال مصلة من الأسماء البارزة والمتميزة في الشطرنج المغربي، ليس فقط بسبب مسيرته لاعبا، بل لأنه جمع بين التنافس فوق الرقعة والتحكيم والتدريب والتنظيم، وواصل حضوره في البطولات الوطنية والدولية رغم ما يواجهه من صعوبات مرتبطة بإعاقته الجسدية وبضعف الإمكانات والولوجيات.

ولا ينبغي اختزال تجربته في قصة شخص «تغلب على الإعاقة» فقط؛ فجمال مصلة لاعب وحكم صاحب كفاءة حقيقية، راكم خبرته على امتداد سنوات، وحصل على اعتراف رسمي من الاتحاد الدولي للشطرنج. لكن الإعاقة تضيف إلى مسيرته بعدا إنسانيا مهما، لأنها تكشف مقدار الجهد الذي بذله للوصول إلى البطولات وقاعات اللعب ومواقع التنظيم في بيئة لم تكن دائما مهيأة أو سهلة الولوج.

▪️البدايات والمسار كلاعب

ولد جمال مصلة سنة 1980، وهو لاعب مغربي مسجل لدى الاتحاد الدولي للشطرنج تحت الرقم 9000682. وبلغ أفضل تصنيف كلاسيكي له 2099 نقطة خلال سنتي 2015 و2016، وهو مستوى يؤكد أنه لم يكن مجرد هاو أو منظم بعيد عن المنافسة، بل لاعب قوي امتلك تجربة تنافسية محترمة أمام عدد من اللاعبين المغاربة والأجانب.

وتسجل صفحته الدولية تصنيفا كلاسيكيا يبلغ 1886 نقطة، وتصنيفا سريعا في حدود 2005 نقاط، وتصنيفا في الشطرنج الخاطف يبلغ 2013 نقطة. ولا يحمل لقبا دوليا في اللعب من قبيل أستاذ اتحادي أو أستاذ دولي، لكن مشاركاته وتصنيفاته تؤكد حضوره الطويل في المنافسات المصنفة وفي البطولات الدولية.

وقد مارس جمال مصلة الشطرنج في ظروف لم تكن عادية، لأن التنقل والمشاركة في البطولات الممتدة لأيام تتطلبان جهدا إضافيا بالنسبة إلى شخص في وضعية إعاقة جسدية. ومع ذلك لم يحصر نشاطه في بطولات مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، بل نافس كذلك في البطولات المفتوحة إلى جانب مختلف اللاعبين، وهو ما يعكس رغبته في أن يعامل بوصفه لاعبا كامل الأهلية الرياضية، لا مجرد مشارك رمزي.

▪️تمثيل المغرب في البطولات العالمية للأشخاص ذوي الإعاقة

شكلت سنة 2013 محطة بارزة في مسيرة جمال مصلة، عندما شارك في بطولة العالم الأولى للشطرنج الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، التي أقيمت بمدينة دريسدن الألمانية. وكان الممثل الوحيد للمغرب وللمنطقتين العربية والإفريقية في تلك النسخة، وهو ما جعل مشاركته تتجاوز بعدها الشخصي لتصبح تمثيلا للشطرنج المغربي والعربي والإفريقي في تظاهرة عالمية جديدة آنذاك.

عاد مصلة للمشاركة في بطولة العالم سنة 2015، وسجلت سجلات البطولة حصوله على 3.5 نقاط من سبع جولات في مشاركته الأولى، ثم أربع نقاط من سبع في المشاركة الثانية، بما يدل على تطور نتائجه وقدرته على المنافسة داخل بطولة تضم لاعبين ذوي خبرة وتصنيفات قوية من مختلف دول العالم.

كما شارك في كأس الاتحاد الدولي للشطرنج للأشخاص ذوي الإعاقة سنة 2019، وخاض مباريات أمام لاعبين من عدة دول، محققا من بينها انتصارا بالقطع السوداء أمام اللاعب القرغيزي دجانيش أرسطنبيكوف، وتعادلا أمام الكولومبي خيسوس أوسوريو.

وواصل حضوره في المنافسات العالمية، فشارك في النسخة الرابعة من بطولة العالم للأشخاص ذوي الإعاقة سنة 2021، ضمن لائحة دولية ضمت مئات اللاعبين من مدارس شطرنجية مختلفة.

هذه المشاركات لم تكن رحلات رياضية عابرة؛ فقد كان جمال مصلة في كثير من المناسبات يحمل اسم المغرب في بطولات لا تحظى دائما بالاهتمام الإعلامي أو بالدعم الذي تحظى به المنافسات الرياضية الكبرى. وكان مطالبا، إلى جانب الاستعداد الفني، بتدبير أعباء السفر والإقامة والتنقل والولوج إلى فضاءات اللعب.

▪️من الرقعة إلى التحكيم الدولي

لم يكتف جمال مصلة بممارسة الشطرنج لاعبا، بل اختار التخصص في التحكيم والتكوين، وراكم الخبرة الضرورية لنيل صفة حكم اتحادي معتمد من الاتحاد الدولي للشطرنج.

وقد صادق مجلس الاتحاد الدولي سنة 2023 على منحه لقب حكم اتحادي، وهو يحمل حاليا رخصة حكم اتحادي من الفئة «د». كما يحمل صفة حكم وطني، وحصل على لقب مدرب مدرسي سنة 2017، ثم لقب مدرب اتحادي سنة 2025، ما يجعله جامعا بين التحكيم والتدريب والخبرة الفنية.

والتحكيم في الشطرنج ليس مهمة شكلية؛ فالحكم مسؤول عن تطبيق قوانين الاتحاد الدولي، وضبط الزمن والنتائج والاحتجاجات، ومراقبة سلوك اللاعبين، والتعامل مع الحالات القانونية المعقدة، إضافة إلى إعداد التقارير التقنية وإرسال نتائج البطولات من أجل احتساب التصنيف الدولي.

وقد ظهر اسم جمال مصلة حكما رئيسيا أو نائبا للحكم الرئيسي في عدد كبير من التظاهرات. فأدار سنة 2025 بطولة كلاسيكية بمدينة الدار البيضاء بصفته الحكم الرئيسي، كما تولى رئاسة التحكيم في النسخة الثالثة من بطولة مغاربة العالم.

وكان ضمن طاقم تحكيم البطولة الوطنية المفتوحة والبطولة الوطنية النسوية والبطولتين الوطنيتين للفرق في بركان سنة 2025، حيث شغل مهمة نائب الحكم الرئيسي في أربع مسابقات وطنية متزامنة، وهي مسؤولية تتطلب تركيزًا كبيرا وقدرة على تدبير عدد مهم من اللاعبين والجولات والنتائج.

كما عمل نائبا للحكم الرئيسي في مهرجان شفشاون الدولي سنة 2024، وشارك ضمن طواقم تحكيم مسابقات وطنية للسريع والخاطف، إلى جانب إشرافه على دوريات محلية موجهة للكبار والنساء والأطفال والفئات العمرية.

▪️المنظم الذي صنع بطولاته بوسائل محدودة

إلى جانب التحكيم، عرف جمال مصلة بنشاطه الكبير في تنظيم البطولات، خصوصا في الدار البيضاء والمناطق القريبة منها. فهو لا يكتفي بالجلوس خلف طاولة الحكم، بل يتابع مختلف التفاصيل: البحث عن القاعة، إعداد الإعلان، استقبال التسجيلات، وضع لائحة المشاركين، تجهيز الرقع والساعات، إعداد نظام التباري، نشر النتائج والتواصل مع اللاعبين.

وقد نظم وأدار سلسلة من دوريات الشطرنج السريع والخاطف، من بينها دوري المحاربين للشطرنج الخاطف الذي بلغ عشرات النسخ. وتتميز هذه الدوريات ببساطتها واعتمادها على إمكانات محدودة، لكنها وفرت للاعبين فضاء مستمرا للتنافس، خصوصا في الفترات التي كان فيها النشاط الجامعي الرسمي ضعيفا أو متوقفا.

وتظهر قيمة هذا العمل في الاستمرارية؛ فتنظيم بطولة واحدة قد يكون سهلا نسبيا، أما المحافظة على سلسلة دوريات منتظمة، واستقبال اللاعبين في كل نسخة، وحساب النتائج ونشرها، فهي مهمة تحتاج إلى صبر وانضباط وعلاقات واسعة داخل الوسط الشطرنجي.

وقد ظل مصلة ينتقل بين المدن للإشراف على البطولات، من الدار البيضاء ومراكش إلى بركان وشفشاون وأكادير وغيرها، دون أن يجعل صعوبات الحركة مبررا للغياب. وكان يحضر مبكرا إلى قاعة اللعب، ويتابع الجولات لساعات طويلة، ويؤدي مسؤولياته التنظيمية والتحكيمية مثل بقية الحكام.

▪️مشروع أكاديمية لتعليم الشطرنج

لم يقتصر طموح جمال مصلة على تنظيم الدوريات، فقد أعلن سنة 2016 عن مشروع لإنشاء أكاديمية متخصصة في تعليم الشطرنج بالمغرب، تكون فضاء للتدريب والتأطير وتنظيم البطولات واستقبال مختلف الفئات.

ولقي المشروع ترحيبا مبدئيا من الاتحاد الدولي للشطرنج، لكن تنفيذه اصطدم بعقبة توفير مقر مناسب وبالإمكانات المالية واللوجستية الضرورية. وتعكس هذه التجربة إحدى المشكلات التي واجهها مصلة وغيره من الفاعلين: وفرة الأفكار والخبرات، في مقابل ضعف البنيات والدعم المؤسساتي المخصص للشطرنج.

ومع أن مشروع الأكاديمية لم يتحقق بالصورة التي كان يطمح إليها، فقد طبق جزءا من فكرته على أرض الواقع من خلال التدريب وتنظيم الدورات والبطولات ومساعدة اللاعبين الجدد، وتحويل فضاءات بسيطة إلى أماكن لممارسة الشطرنج.

▪️موقفه من الإعاقة

يحرص جمال مصلة على استعمال لغة مباشرة عند الحديث عن وضعه، وقد عبّر في حوارات سابقة عن رفضه لبعض التسميات التي يراها ملتبسة أو قائمة على الشفقة، مفضلا الحديث الصريح عن الإعاقة وعن الحقوق والولوجيات والفرص المتساوية.

وهذا الموقف يعكس فلسفة واضحة في مسيرته: فهو لا يطلب أن ينظر إليه باعتباره حالة إنسانية تستحق التعاطف، بل باعتباره لاعبا وحكما ومنظما يملك الكفاءة والخبرة، ويحتاج مثل غيره إلى شروط عادلة لممارسة عمله.

فالقضية بالنسبة إليه ليست إنكار وجود الإعاقة أو الصعوبات التي تفرضها، وإنما رفض تحويلها إلى حكم مسبق على قدراته. لقد أثبت فوق الرقعة وفي قاعات التحكيم أن القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتنظيم البطولات لا تحددها الهيئة الجسدية.

▪️اعتراف دولي جديد سنة 2026

في يوليوز 2026، أدرج الاتحاد الدولي للشطرنج اسم جمال مصلة ضمن القائمة الرسمية للمرشحين لجائزة أفضل لاعب شطرنج في وضعية إعاقة، في الدورة الأولى من جوائز التميز التابعة للاتحاد الدولي.

وضمت القائمة عشرة لاعبين فقط من مختلف أنحاء العالم، من بينهم جمال مصلة ممثلا للمغرب. ويعد هذا الترشيح اعترافا دوليا بمسيرته وبحضوره داخل شطرنج الأشخاص ذوي الإعاقة، وستعلن النتيجة النهائية خلال حفل يقام بمدينة سمرقند في شتنبر 2026 على هامش الأولمبياد العالمي للشطرنج.

ولا يعني وجود اسمه في القائمة أنه فاز بالجائزة بعد، لكنه يشكل في حد ذاته إنجازا مهما، لأنه يضع لاعبا مغربيا ضمن نخبة دولية جرى اختيارها بعد عملية ترشيح وتدقيق أشرف عليها الاتحاد الدولي.

▪️قيمة تجربته في الشطرنج المغربي

تتجسد أهمية جمال مصلة في كونه مارس معظم الأدوار الممكنة داخل الشطرنج: لاعبًا ينافس فوق الرقعة، وحكما يطبق القوانين، ومدربا ينقل المعرفة، ومنظما يصنع البطولات ويوفر للآخرين فرصة اللعب.

وقد كان يستطيع الاكتفاء بالمشاركة في بطولات الأشخاص ذوي الإعاقة أو الانسحاب بسبب ضعف الدعم وصعوبات التنقل، لكنه اختار الحضور داخل الحياة الشطرنجية العامة، وتحمل أعباء التنظيم والتحكيم التي يتفاداها كثير من القادرين جسديا.

ولا تعني الإشادة بإرادته تجاهل العراقيل التي واجهها؛ فنجاح الأفراد لا يعفي المؤسسات من مسؤولية توفير الولوجيات والدعم واحترام حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. بل إن مسيرته تكشف أن كثيرا من الحواجز لم تكن ناتجة عن الإعاقة نفسها، وإنما عن ضعف التجهيز وغياب المساندة وقلة الاعتراف بالجهود.

خلاصة

يمثل جمال مصلة نموذجا خاصا داخل الشطرنج المغربي. فهو لاعب وصل تصنيفه إلى قرابة 2100 نقطة، ومثل المغرب في بطولات عالمية، وحصل على لقب حكم اتحادي ومدرب معتمد، وأشرف على مسابقات وطنية ودولية، ونظم عشرات الدوريات بوسائل محدودة.

ولم تمنعه إعاقته الجسدية من التنقل والتنافس والتدريب والتحكيم، كما لم تجعله يقبل دور المتفرج. لقد اختار أن يكون في قلب الأحداث، وأن يصنع البطولات حين لا يجدها، وأن يواصل العمل حتى في الفترات التي عانى فيها الشطرنج المغربي من الأزمات والتوقف.

إن قصة جمال مصلة ليست قصة شفقة، بل قصة كفاءة وإرادة واستمرارية. وهي تذكر بأن قيمة الرياضي لا تقاس بما يستطيع جسده فعله فقط، بل بما يملكه من فكر والتزام وقدرة على تحويل العراقيل إلى دوافع للعمل.

(تم إعداد هذا التقرير بالاعتماد على عدة مراجع رقمية


التعليقات

أضف تعليق