مقال ممتع شائق ثري للأستاذ عبد الحفيظ العمري في كتابه “الشطرنج هدية العرب إلى العالم “.

🟢🟢تجربة الأسر والمرض

الشطرنج والوقت.

تحدث السيد محمد الرايسي في مذكراته المنشورة بجريدة الاتحاد الاشتراكي عن الشطرنج في سجن تازمامارت، وذكر في الحلقة 25 أن السجناء اخترعوا شطرنجا برقعة مربعات من قماش فاتح وآخر غامق (يقصد أنهم صنعوا رقع الشطرنج بمربعات من الثوب اعتمادا على ما سمحت به ظروف الأسر) وصنعوا قطع الشطرنج من عجين الخبز ولونوها، كل ذلك باستغلال مبدع لما توفر لديهم، وأنهم نظموا بطولة “شفوية” (يقصد بالمراسلة)، وهنا لم يحضر البريد أو التلغراف أو الهاتف أو التلكس أو الفاكس أو الأنترنيت… وإنما اكتفوا بأصواتهم، وأن ذلك قد سمح لهم بتزجية الوقت ومغالبة ظروفهم الصعبة.

والحقيقة أن لعبة الشطرنج قد أثبتت قدرة هائلة على تزجية الوقت ومحاربة الضجر، وربما كانت أول حكاية مرتبطة بالموضوع في تاريخ الشطرنج هي تلك التي تنسب اختراعه للقائد بالاميدس في الأساطير الإغريقية، وهو الذي فتح قلعة طروادة بالحيلة بعدما استعصت بالسلاح والمحاصرة عدة سنوات، بسبب متانة أبوابها وقوة أسوارها وقلاعها وطبعا صمود سكانها، ولم يكن الوقت لصالح بالاميدس الذي أصاب جنوده الضجر، فكان أن اخترع لهم الشطرنج ليدربهم على كيفية القتال ويمدهم بأداة فعالة لتزجية الوقت الممل، (في حين حكى الرئيس السوفياتي الأخير غورباتشوف أن أكثر ذكرياته مع الشطرنج تعود للحرب العالمية الثانية حين كان على الجبهة، وصنع قطع الشطرنج من الورق المقوى لتزجية الوقت مع رفاقه).

أما ثاني أقدم حكاية مرتبطة بموضوع الشطرنج والأسر فهي تلك التي أوردها الأشبيهي في المستطرف حيث يقول: ذكر بعضهم: «كنا في السجن مع ابن سيرين (وهو من كبار التابعين، عاش في العصر الأموي)، فكان يرانا نلعب الشطرنج فيأتي ويقول: ارفع الحصان كذا وافعل كذا، ولا يعيب علينا…».

كما حكى محمد الرايسي عن رفيقه في تازمامارت عقة بلجوديد الذي كان يشاركهم لعب الشطرنج (بالمراسلة كما سبق الذكر)، دون أن يكون متوفرا على رقعة الشطرنج وقطعها، أي أنه كان يلعب بـ “الاستدبار/L’aveugle”، وهذه الطريقة صعبة جدا، خصوصا عندما يقوم اللاعب المستدبر بمواجهة عدة لاعبين في نفس الوقت، كل واحد منهم برقعته (الرقم القياسي العالمي سجله الأمريكي جورج كولتانوفوسكي/بلجيكي الأصل، أمام ستة وخمسين لاعبا يوم 04/12/1964 وهو رقم لا يصدق).

وفي نفس الإطار يسرد أحمد بيادي، وهو أحد تلامذة مدرسة “هرمومو” التي مونت انقلاب الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، خلال اعتقالهم السابق على المحاكمة، كيف كان الشطرنج من بين الأنشطة الترفيهية التي تسري عنهم (جريدة “الأسبوع” عدد 25 يناير 2002 ص11)، كما حكى لي عدد من المعتقلين السابقين (مجموعة القنيطرة خصوصا) أنهم تعلموا الشطرنج أو واظبوا عليه خلال سنوات سجنهم الطويلة، مؤكدين على دوره الهام في تزجية الوقت والترفيه عن النفس، وهو نفس ما ذهب إليه الدكتور يوسف القرضاوي خلال سجنه سنة 1954 بمصر كما صرح بذلك في قناة الجزيرة القطرية.

ويحضر الشطرنج بقوة في تجربة السجن لدى معتقلي الرأي المنتمين عادة لشريحة المثقفين الذين غالبا ما يكون لهم إلمام بالشطرنج أو استعداد لتعلمه، بينما يغيب لدى سجناء الحق العام إلى ما يقرب العدم، رغم أنه أداة فعالة لتزجية الوقت وتهدئة السجناء باكتساب مهارات التفكير وقبولهم مبدأ المنافسة الندية بالعقل بل ومعالجة عدد من الانحرافات… وأتذكر شابا من مدينة تطوان أخبرني في منتصف السبعينيات بأنه تعلم الشطرنج في سجن المدينة الذي كان على رأس إدارته الأستاذ مصطفى البقالي، بطل المغرب للشطرنج ورئيس الجامعة الملكية المغربية للشطرنج السابق، بفضل تجربة محدودة كان قد قام بها.

وقد حضر الشطرنج لدى عدة أشخاص في تجربة المرض، وتحضرني حكاية الملك الهندي، في حكايات عربية أقرب إلى الأسطورة، هذا الملك الذي أصابه مرض عجز الأطباء عن علاجه بسبب حالته المعنوية السلبية من جراء التفكير في المرض، وهو ما انتبه إليه حكيمه “صيصه بن داهر”، فاخترع له الشطرنج ليلهو به وينسى مرضه ويتمسك بالحياة وهو ما ساعد على شفائه.

ويعتبر الشطرنج أهم علاج للملل الناتج عن فراغ التقاعد، سواء في النادي أو الحدائق المتوفرة على أدوات الشطرنج في أوربا أو مع رقعة خاصة، دون إهمال المشاركة في الدوريات ودخول منافسات شطرنجية تنعش الحياة وتملأها بالإرادة والصمود، بل إن إحدى الدراسات العلمية الحديثة كشفت عن دور ممارسة الشطرنج في تقوية مناعة الجسم!

وغير بعيد عن هذا الموضوع، يحضرني مثال رجل السلطة السابق بالمغرب القائد الممتاز المرحوم عبد الكريم الأزرق الذي تخلص من حالة نفسية كادت تكون قاتلة من جراء أزمة تعرض لها في بداية السبعينات أدت به للسجن مدة سنة. خرج بعدها شخصا آخر، منغلقا على نفسه في ما يخص تلك التجربة، لكن بشوشا ومتكتما ومرحا وهو يلعب الشطرنج ساعات طوال كل يوم لغاية وفاته، بعد ربع قرن من ذلك، ولا أعتقد أنه قد ندم على اختياره في أي وقت من الأوقات، لأن عدة خيارات كانت أمامه باستمرار دون أن يطرق باب أي منها.

وأدبيا تبقى رائعة الروائي النمساوي ستيفان زفيغ: “لاعب الشطرنج” مرجعا فنيا وتاريخيا وتربويا، فهي تحكي عن سجين “رأي” نمساوي في غرفة منعزلة بفندق، مارس عليه النازيون ضغوطا نفسية قوية ليحصلوا منه على أسرار العائلة المالكة التي كان يعمل محاميا لديها ومسؤولا عن ممتلكاتها، وبدأت معنوياته تنهار، إلى أن سرق كتابا من جيب أحد مستنطقيه وكان كتاب شطرنج يضم 150 طرح، فصنع القطع من لباب الخبز، وكان غطاؤه على شكل مربعات مما سهل عليه أمر الرقعة، وبعد مدة حفظ الأطراح وصار يحللها ويتبناها من عنده بواسطة اقتراحات جديدة، ولكثرة المداومة لم يعد محتاجا للنظر في الرقعة، فصار يلعب استدبارا، ولم يعد يهتم بالوقت الذي كاد يقهره قبل ذلك، لكن إمعانه في اللعب مع نفسه بدون حدود وانفعاله الشديد … جعل الأمور تختلط عليه، فصار يصارع نفسه ويواجهها وكأنه أمام رسيل حقيقي، وارتفع صوته في مواجهة نفسه يحاورها أو يجادلها أو يخاصمها…، فاعتقد سجانونه أنه فقد صوابه، وهم لاعلم لهم بحضور الشطرنج معه في الغرفة/الزنزانة، ويئسوا من إمكانية الحصول منه على المعلومات التي استدعى البحث عنها سجنه، فأطلقوا سراحه.

لكن رواية لاعب الشطرنج التي تحولت إلى شريط سينمائي من المستوى الرفيع، تابعت أيضا حياة بطل عالمي محترف، ساخرة من فقره الثقافي وبلاهته وشراهته للمال، مقابل قدراته التجريدية الهائلة التي جعلت منه بطلا عالميا وأغنته ماديا، وفي ذلك استباق عجيب لما سيعرفه الشطرنج والرياضة عموما من تمييع للعمل الاجتماعي والمردودية مقابل ارتفاع النخب الرياضية التي غطت على كل شيء… بسبب سيطرة شعارات الاحتراف والاحتضان والاستغلال التجاري على حساب القيم النبيلة للرياضة.

ويصف ستيفان زفيغ بتشويق كبير المواجهة الندية التي جمعت بين السجين السابق وبطل العالم على ظهر سفينة متوجهة إلى أمريكا، وكيف وجد الخارج من الاعتقال النازي أن لديه مهارات عالية تكونت بفضل تداريبه الطويلة على لعب الشطرنج حتى دون النظر للرقعة، لدرجة التعادل في الطرح الأول أمام بطل العالم الذي اكتشف بفطرته أنه أمام لاعب كبير مغمور، وطلبه في مواجهة ثانية تحولت إلى حرب ضروس على الرقعة وعلى أعصاب اللاعبين والمتفرجين، فالمستوى كان عاليا لارتفاع قدرات اللاعبين، قدرات ذهن يمتلك مقومات فطرية لبطل العالم، وأخرى لذهن مشحوذ بكل معنى الكلمة، عركته الأيام والمعاناة وخضع لتداريب “قهرية”، ثم ليقع ما لم يكن في الحسبان: عودة الانهيار العصبي واختلاط الأمر على السجين السابق الذي بنى جوابه الحاسم على وضعية في ذهنه ربما كانت مخالفة للوضعية الحقيقية على الرقعة، أو ربما لكون بطل العالم قام بنقلة مشوشة لم ينتبه لها السجين السابق، لتنتهي المواجهة بشكل غامض يفتح المجال أمام العديد من الأسئلة.

المرجع :

كتاب “الشطرنج هدية العرب إلى العالم .. دراسة في تاريخ مهمل لتراث عربي كبير”.

المؤلف: عبد الحفيظ العمري

سنة الطبع 2002-منشورات الزمن

الصفحات :156-157-158-159-160-161.


التعليقات

أضف تعليق