تقديم
حين يجري الحديث عن أبرز لاعبي الشطرنج في تاريخ المغرب، يبرز اسم الأستاذ الدولي محمد تيسير ضمن الصف الأول من الأسماء التي تركت أثرا عميقا في اللعبة، ليس فقط بما حققه وطنيا، وإنما بما سجله قاريا وعربيا ودوليا، وباستمراره في المنافسة على مستوى مرتفع لأكثر من ثلاثة عقود.
محمد تيسير حالة شطرنجية استثنائية من حيث طول المسيرة وتنوعها. فقد جمع بين بطولة المغرب، وبطولة إفريقيا، والميدالية الذهبية الفردية في الأولمبياد، والمشاركة في بطولات العالم وكؤوس العالم، والاحتراف خارج المغرب، ثم التدريب وتأسيس أكاديمية للشطرنج والعمل في التحكيم.
وإذا كان هشام الحمدوشي قد بلغ أعلى مستوى تصنيفي عرفه لاعب مغربي ونال لقب الأستاذ الدولي الكبير، فإن محمد تيسير يظل بدوره واحدا من أنجح اللاعبين المغاربة تاريخيا من حيث تنوع الإنجازات الدولية وطول الحضور في المنتخب الوطني.
البطاقة الشطرنجية
الاسم: محمد تيسير
باللاتينية: Mohamed Tissir
تاريخ الميلاد: 27 نونبر 1976
الجنسية والاتحاد الرياضي: المغرب
رقم الاتحاد الدولي: 9000240
اللقب: أستاذ دولي IM
أعلى تصنيف دولي مسجل: 2490 نقطة
تاريخ بلوغ التصنيف الأعلى: أكتوبر 2006
مدرب معتمد من الاتحاد الدولي FIDE Trainer
حكم اتحاد دولي FIDE Arbiter
مؤسس ومدير أكاديمية البحرين للشطرنج.
وتورد بعض قواعد البيانات سنة 1999 باعتبارها سنة اعتماد لقب الأستاذ الدولي، بينما يذكر تيسير في سيرته المنشورة على حساباته الشطرنجية أنه أصبح أستاذا دوليا سنة 1998؛ ولذلك من الأفضل الإشارة إلى هذا الاختلاف بدل القطع بتاريخ غير محسوم في المصادر المتاحة.
البدايات والصعود السريع
ولد محمد تيسير سنة 1976، وبرز بقوة في الشطرنج المغربي وهو ما يزال في سن مبكرة نسبيا.
الدليل الأوضح على سرعة صعوده أنه توج بطلا للمغرب سنة 1996 وهو في العشرين تقريبا من عمره. ولم يكن ذلك تتويجا عابرا، لأن السنوات التالية ستثبت أن المغرب أمام لاعب قادر على المنافسة قاريا ودوليا.
وفي السنة نفسها، ظهر تيسير لأول مرة في الأولمبياد العالمي للشطرنج، ضمن المنتخب المغربي المشارك في أولمبياد يريفان 1996.
لعب على الرقعة الثانية خلف الأستاذ الدولي الكبير هشام الحمدوشي، وسجل:
13 مباراة
5 انتصارات
4 تعادلات
4 هزائم
المجموع: 7 نقاط من 13
النسبة: 53.8%
أداء تصنيفي يقارب 2370.
كانت بداية دولية قوية للاعب في العشرين من عمره، وأظهرت مبكرا أنه قادر على حمل إحدى الرقع العليا للمنتخب المغربي.
بطل المغرب ثلاث مرات
تشير المصادر المتاحة إلى أن محمد تيسير أحرز بطولة المغرب الفردية المطلقة ثلاث مرات:
1996
1999
2005
والمهم هنا ليس عدد الألقاب فقط، بل المدى الزمني بينها.
فالفارق بين أول بطولة سنة 1996 والثالثة سنة 2005 يقارب عشر سنوات، ما يعكس استمراره لفترة طويلة ضمن قمة الشطرنج المغربي.
لقبه الأول جاء في بداية صعوده، والثاني سنة 1999 تزامن مع أفضل المراحل في مسيرته الإفريقية، أما بطولة 2005 فجاءت في المرحلة التي كان يقترب فيها من حاجز 2500 نقطة دولية.
بطولة إفريقيا 1998… ضياع اللقب بفارق كسر التعادل
هناك محطة مهمة للغاية كثيرا ما تسقط من السير المختصرة لمحمد تيسير.
ففي أول نسخة من بطولة إفريقيا الفردية للشطرنج، بالقاهرة سنة 1998، قدم تيسير بطولة استثنائية وأنهى المنافسات متعادلا في الصدارة مع المصري إبراهيم حسن لبيب.
حقق الاثنان 7 نقاط، لكن نظام كسر التعادل منح اللقب للمصري إبراهيم حسن لبيب، وحل تيسير ثانيا.
وهكذا كان تيسير على بعد خطوة صغيرة من أن يصبح أول بطل رسمي لإفريقيا في تاريخ البطولة.
لكن الرد جاء بعد سنة واحدة فقط.
أكادير 1999… محمد تيسير بطلا لإفريقيا
في النسخة الثانية من البطولة الإفريقية، التي أقيمت بأكادير من 25 أكتوبر إلى 5 نونبر 1999، نجح محمد تيسير في انتزاع اللقب.
وبذلك أصبح:
بطل إفريقيا للشطرنج سنة 1999.
ويحمل هذا التتويج أهمية خاصة في تاريخ الشطرنج المغربي؛ لأن بطولة إفريقيا الفردية كانت ما تزال في بداياتها، وكان الصراع المغربي المصري على زعامة القارة قويا جدا.
وبعد تتويج تيسير سنة 1999، أحرز المغربي هشام الحمدوشي اللقب الإفريقي سنة 2001، لتكون النسختان الثانية والثالثة من البطولة من نصيب المغرب.
كان لقب إفريقيا 1999 إحدى أهم القفزات في مسيرة تيسير الدولية، ورسخ مكانته ضمن نخبة لاعبي القارة.
حضوره العربي سنة 1999
يسجل محمد تيسير في سيرته الشطرنجية حصوله على ميدالية ذهبية في المنافسات العربية بالأردن سنة 1999.
وتشير وثائق وصور تاريخية أخرى إلى مشاركته في البطولة العربية للفرق بالأردن في السنة نفسها إلى جانب عدد من نجوم المنتخب المغربي، ومن بينهم مخلص العدناني وعبد العزيز عنقود.
وبسبب اختلاف تسمية المنافسة بين بعض المصادر، فمن الأدق توثيق الإنجاز بالقول:
حقق محمد تيسير ذهبية عربية بالأردن سنة 1999، وهي محطة يعدها ضمن أبرز إنجازاته الشخصية.
وكانت سنة 1999، إجمالا، من أعظم سنوات مسيرته:
بطل المغرب
بطل إفريقيا
إنجاز عربي في الأردن
وتثبيت مكانته أستاذا دوليا ولاعبا أساسيا في المنتخب.
كأس العالم 2000… وسط عمالقة اللعبة
من أبرز المحطات التي تكشف مستوى تيسير في بداية الألفية مشاركته في كأس العالم للاتحاد الدولي للشطرنج سنة 2000 بمدينة شنيانغ الصينية.
كانت النسخة الأولى من كأس العالم بنظام مختلف عن النظام الإقصائي المعروف حاليا.
شارك 24 لاعبا فقط، ووزعوا على أربع مجموعات من ستة لاعبين.
ووقع محمد تيسير في واحدة من أقوى المجموعات الممكن تصورها، وضمت:
فيسواناثان أناند
بوريس غيلفاند
فلاديسلاف تكاتشييف
بافل تريغوبوف
ألكسندر خاليفمان
محمد تيسير.
أي أن المغربي وجد نفسه وجها لوجه مع بطل العالم، ومع لاعبين من نخبة النخبة العالمية.
أنهى تيسير البطولة بنقطة واحدة من خمس مباريات.
لكن تفاصيل هذه النقطة مهمة:
تعادل مع الأستاذ الدولي الكبير بوريس غيلفاند.
وتعادل مع الأستاذ الدولي الكبير بافل تريغوبوف.
وخسر أمام:
أناند
تكاتشييف
خاليفمان.
وكان تصنيفه آنذاك في حدود 2342.
ورغم المركز الأخير، فإن مجرد المشاركة في بطولة من 24 لاعبا تضم أسماء بهذا الحجم تشكل إحدى أهم المحطات الدولية في تاريخ أي لاعب مغربي.
أولمبياد إسطنبول 2000
في أولمبياد إسطنبول 2000 عاد تيسير إلى الرقعة الثانية للمنتخب المغربي خلف هشام الحمدوشي.
وخاض:
13 مباراة
6 انتصارات
تعادلان
5 هزائم
7 نقاط من 13
53.8%.
وكان المنتخب يضم إلى جانب الحمدوشي وتيسير أسماء مثل:
عبد العزيز عنقود، سمير بنتفريت، مخلص العدناني وربيع داود.
بطولة العالم 2004
شارك محمد تيسير كذلك في بطولة العالم الفردية للاتحاد الدولي سنة 2004 بطرابلس، التي أقيمت بنظام خروج المغلوب.
وأوقعته القرعة منذ الدور الأول أمام الأستاذ الدولي الكبير الروسي أليكسي درييف، أحد أقوى لاعبي العالم آنذاك، لينتهي مشواره في الدور الأول.
ورغم الخروج المبكر، فإن المشاركة نفسها تعني أن تيسير كان ضمن دائرة اللاعبين المؤهلين إلى إحدى أكبر المنافسات الفردية في العالم.
الإنجاز التاريخي… ذهبية أولمبياد 2004
إذا كان ينبغي اختيار الإنجاز الأكثر رمزية في مسيرة محمد تيسير، فقد تكون ذهبية أولمبياد كالفيا 2004 بإسبانيا هي الاختيار الأول.
شارك تيسير على الرقعة الثانية للمنتخب المغربي.
وسجل:
7.5 نقاط من 9 مباريات.
أي:
7 انتصارات
تعادل واحد
هزيمة واحدة
نسبة نجاح بلغت 83.3%.
وكان معدل تصنيف منافسيه حوالي 2283، بينما بلغ أداؤه التصنيفي في البطولة نحو:
2556 نقطة.
والأهم أنه احتل المركز الأول عالميا على الرقعة الثانية.
متقدما في الترتيب الفردي للرقعة على أساتذة دوليين كبار من منتخبات قوية.
وهكذا عاد من أولمبياد 2004 بـ:
الميدالية الذهبية الفردية للرقعة الثانية.
وهذا الإنجاز واحد من أعظم النتائج الفردية التي سجلها لاعب مغربي في تاريخ الأولمبياد العالمي للشطرنج.
بعض تفاصيل مباريات أولمبياد 2004
تكشف سجلات البطولة أن تيسير واجه منافسين من مستويات مختلفة وحقق سلسلة انتصارات لافتة.
ولم تكن ذهبيته نتيجة لعب عدد قليل من المباريات؛ فقد خاض تسع مباريات كاملة تقريبا وسجل فيها نسبة 83.3%.
وكان أداؤه البالغ حوالي 2556 أعلى بكثير من تصنيفه الاسمي في البطولة، الذي كان 2394.
أي أنه لعب البطولة عمليا بمستوى أستاذ دولي كبير.
عدن 2005… لقب دولي آخر
من النتائج المهمة التي لا تظهر كثيرا في السير المتداولة تتويج محمد تيسير في بطولة الرئيس علي عبد الله صالح الدولية الرابعة للشطرنج في عدن سنة 2005.
وأقيمت البطولة من 23 إلى 30 شتنبر 2005، بمشاركة لاعبين من عدد كبير من الدول.
وجاء الترتيب في المقدمة:
محمد تيسير – المغرب
جيورجي باغاتوروف – جورجيا
سليم بلخوجة – تونس.
وهو لقب قوي بالنظر إلى حضور لاعبين دوليين من مدارس شطرنجية متعددة.
الاقتراب من لقب الأستاذ الكبير
في منتصف العقد الأول من الألفية وصل تيسير إلى أعلى مستوياته التصنيفية.
وبحلول سنة 2005 كان تصنيفه في حدود 2480 نقطة، وتشير ChessBase إلى أنه كان يمتلك آنذاك نورما واحدة من نورم لقب الأستاذ الدولي الكبير GM.
ثم بلغ أعلى تصنيف في مسيرته:
2490 نقطة في أكتوبر 2006.
وهذا الرقم له دلالة مهمة.
فهو كان على بعد عشر نقاط فقط من حاجز 2500 المطلوب ضمن شروط الحصول على لقب الأستاذ الدولي الكبير، مع ضرورة استكمال العدد المطلوب من النورمات.
وهكذا كان تيسير فعليا قريبا جدا من الدخول إلى نادي الأساتذة الدوليين الكبار.
لماذا لم يصبح أستاذا دوليا كبيرا؟
هذا أحد الأسئلة المهمة في قراءة مسيرته.
الجواب لا يمكن اختزاله في عامل واحد.
لكن المؤكد حسابيا أن تيسير:
بلغ 2490.
حقق نورما واحدة على الأقل للأستاذ الدولي الكبير بحسب ChessBase.
وكان ينافس بانتظام لاعبين فوق 2500.
وقد كان بلوغه 2500 وإنجاز النورمات المتبقية يبدو هدفا واقعيا في تلك المرحلة.
وتحدث تيسير لاحقا، ضمن سياق الأزمة الطويلة للشطرنج المغربي، عن تأثير الظروف المؤسسية والصراعات التي عرفتها اللعبة في المغرب في مسارات مجموعة من اللاعبين.
لكن من المنهجي الفصل بين الوقائع الرياضية الثابتة وبين تفسير الأسباب التي حالت دون وصوله إلى GM.
الثابت هو أنه وصل إلى 2490 وأصبح على أبواب اللقب من الناحية الفنية والتصنيفية.
الانتقال إلى البحرين
استقر محمد تيسير في البحرين منذ حوالي سنة 2007، وتشير مقابلة صحفية بحرينية إلى أن انتقاله وإقامته هناك ارتبطا بالزواج.
ومن البحرين بدأت مرحلة جديدة تماما في حياته الشطرنجية.
لم يعد نشاطه مقتصرا على كونه لاعبا دوليا؛ بل أصبح مدربا ومنظما ومؤسسا لمشروع شطرنجي.
أكاديمية البحرين للشطرنج
أسس تيسير أكاديمية البحرين للشطرنج Bahrain Chess Academy، التي يشير تعريفها الرسمي إلى انطلاقها بصورة رسمية سنة 2012.
وأصبح تيسير:
المؤسس
المدير
المدرب الرئيسي
والوجه الرياضي للأكاديمية.
ومع مرور السنوات تحولت الأكاديمية إلى واحدة من الجهات النشيطة في نشر الشطرنج وتكوين الأطفال والناشئين في البحرين.
وقد أشرف تيسير على تدريب أجيال من اللاعبين واللاعبات من البحرين وجنسيات مختلفة.
وتصف الأكاديمية نفسها حاليا بأنها أكاديمية معتمدة من الاتحاد الدولي للشطرنج.
محمد تيسير المدرب
حصل تيسير على صفة:
FIDE Trainer – مدرب الاتحاد الدولي للشطرنج.
ويذكر في سيرته أن ذلك يعود إلى سنة 2005.
وهنا تكمن إحدى خصائص مسيرته؛ فقد بدأ نشاطه التدريبي الدولي وهو ما يزال لاعبا في ذروة قوته.
ومن خلال البحرين، أصبحت خبرته التنافسية الممتدة لسنوات في:
بطولات العالم
كأس العالم
بطولات إفريقيا
الأولمبيادات
الدوريات الأوروبية
مادة تدريبية ينقلها إلى الأجيال الجديدة.
تجربة الدوريات البريطانية
تكشف السيرة التي نشرها تيسير بنفسه عن فصل أوروبي مهم في مسيرته لا يحظى باهتمام كبير في المغرب.
فهو يسجل ضمن إنجازاته:
بطل دوري لندن للشطرنج أعوام 2008 و2009 و2010.
وبطل الفرق في الدوري البريطاني 4NCL موسم 2007-2008.
وهذا يدل على أن انتقاله إلى الخليج لم يقطع علاقته بالشطرنج الأوروبي، بل ظل يشارك في منافسات فرق قوية.
بطل الأندية العربية مرتين
يذكر محمد تيسير ضمن سجله:
بطل الأندية العربية مرتين:
2014
2016.
وهي إضافة أخرى إلى سجله العربي الطويل الذي بدأ منذ التسعينيات.
العودة إلى الأولمبياد – ترومسو 2014
بعد غياب طويل عن الأولمبياد، عاد محمد تيسير إلى المنتخب المغربي في دورة ترومسو بالنرويج سنة 2014.
لعب على الرقعة الثانية، وسجل:
10 مباريات
4 انتصارات
4 تعادلات
هزيمتان
6 نقاط من 10
60%.
واللافت أن متوسط تصنيف منافسيه كان 2358، بينما بلغ أداؤه:
2430 نقطة.
أي أنه قدم في الأربعين تقريبا من عمره أداء أعلى من تصنيفه الرسمي.
أولمبياد باكو 2016
في باكو 2016 أصبح تيسير الرقعة الأولى للمغرب.
وكان تصنيفه 2388.
نتيجته:
10 مباريات
4 انتصارات
تعادلان
4 هزائم
5 نقاط
50%.
وكان من بين أعضاء المنتخب:
عادل شكري، المهدي أيت حميدو، خالد بشام ورشيد حفاظ.
أولمبياد باتومي 2018
واصل تيسير حمل الرقعة الأولى للمغرب في أولمبياد باتومي 2018.
وخاض:
10 مباريات
4 انتصارات
تعادلان
4 هزائم
5 نقاط من 10.
لكن المثير أن متوسط تصنيف منافسيه بلغ 2391، وهو ما يعكس قوة الرقعة الأولى التي واجه عليها نخبة كل منتخب.
الألعاب العربية 2011
كان تيسير ضمن المنتخب المغربي الذي حقق الميدالية البرونزية في منافسات الفرق الكلاسيكية بدورة الألعاب العربية بالدوحة سنة 2011.
وضم المنتخب:
عبد العزيز عنقود
إسماعيل كريم
محمد تيسير
رشيد حفاظ
علي صبار.
وجاء المغرب خلف مصر وقطر في منصة التتويج.
كأس العالم 2021… عودة بعد 21 عاما
بعد أكثر من عقدين على مشاركته في كأس العالم 2000، عاد محمد تيسير للمشاركة في كأس العالم 2021.
وكان عمره آنذاك في منتصف الأربعينيات.
واجه في الدور الأول الأستاذ الدولي الكبير الروسي دافيد بارافيان، الذي كان يتجاوز تصنيفه 2600 نقطة، وانتهى مشوار تيسير في الدور الأول.
لكن هذه العودة بعد 21 سنة إلى كأس العالم ذاتها تكشف بصورة واضحة طول عمره التنافسي.
أولمبياد تشيناي 2022… عودة قوية جدا
في أولمبياد تشيناي 2022 قدم محمد تيسير واحدة من أفضل دوراته الأولمبية بعد ذهبية 2004.
لعب على الرقعة الثانية خلف إلياس مصلك، وسجل:
6.5 نقاط من 9.
وتوزعت إلى:
6 انتصارات
تعادل واحد
هزيمتان.
أي نسبة:
72.2%.
وكان متوسط تصنيف المنافسين حوالي 2260، بينما بلغ أداؤه التصنيفي:
2426.
وكان عمره يقارب 46 سنة.
وهذه النتيجة وحدها دليل قوي على قدرته الاستثنائية على الاحتفاظ بالمستوى التنافسي بعد أكثر من ربع قرن من أول ظهور له في الأولمبياد.
أولمبياد بودابست 2024
في دورة بودابست 2024 حمل محمد تيسير مجددا الرقعة الأولى للمنتخب المغربي.
وكان من أعضاء المنتخب:
محمد تيسير
جاك البيلية
مهدي بيير واخير
أنس مؤيد
إبراهيم النايت العسري.
وبحكم وجوده على الرقعة الأولى، وجد تيسير نفسه أمام خصوم من أعلى مستوى.
ومن بينهم في الجولات الأولى:
براغناناندا – 2750
غيورغ ماير – 2591
دافيد نافارا – 2681
أكسيل باخمان – 2560
خورخي فيريرا – 2535.
أي أنه واجه خلال عدد قليل من الجولات سلسلة متتالية من الأساتذة الدوليين الكبار.
حقق في البطولة انتصارات على لاعبين من عمان والكويت وموزمبيق.
حصيلته التاريخية في الأولمبياد
حتى أولمبياد 2022، يسجل أرشيف OlimpBase لمحمد تيسير:
7 أولمبيادات
74 مباراة
36 انتصارا
16 تعادلا
22 هزيمة
44 نقطة
نسبة 59.5%.
وبإضافة مشاركته في بودابست 2024، يصبح قد شارك في ثماني دورات أولمبية:
1996
2000
2004
2014
2016
2018
2022
2024.
أي أن أول مشاركة له وآخر مشاركة موثقة تفصل بينهما 28 سنة كاملة.
وهذا من أكثر المؤشرات دلالة على استمرارية مسيرته مع المنتخب المغربي.
الأولمبياد الذي صنع اسمه عالميا
تبقى دورة 2004 متفردة:
7.5/9 – 83.3% – أداء 2556 – ذهبية الرقعة الثانية.
وحتى عند مقارنة هذا الإنجاز بتاريخ مشاركات المغرب في الأولمبياد، فإنه يحتل مكانا خاصا جدا لأنه ميدالية فردية عالمية تحققت أمام منافسة تضم منتخبات ولاعبين من أقوى مدارس العالم.
تيسير والتحكيم
لم يكتف محمد تيسير باللعب والتدريب.
شارك سنة 2022 في دورة حكام نظمها الاتحاد الآسيوي للشطرنج تحت إشراف الاتحاد الدولي، ونجح في الاختبار المطلوب.
وفي يوليوز 2023 سجل الاتحاد الدولي اعتماد لقبه:
FA – FIDE Arbiter
حكم اتحاد دولي.
وهنا ينبغي التنبيه إلى الفرق بين:
FIDE Arbiter – FA
و
International Arbiter – IA.
فالمصدر الرسمي المتاح حتى الآن يثبت له لقب FA.
وقد شارك بالفعل في تحكيم بطولات في البحرين، ومنها بطولة البحرين الوطنية الأولى سنة 2023.
وهكذا صار يجمع رسميا بين:
International Master
FIDE Trainer
FIDE Arbiter.
اللاعب الذي لم يتوقف
على خلاف كثير من لاعبي جيله، لم يتحول تيسير بالكامل إلى التدريب بعد الأربعين.
فقد استمر في لعب البطولات المصنفة الدولية والسريع والخاطف.
ومن أمثلة ذلك:
كأس العالم 2021
أولمبياد 2022
بطولات قطر ودبي والشارقة
بطولة العالم للسريع والخاطف
أولمبياد 2024
بطولات البحرين والخليج
بطولات عربية مختلفة.
وفي يونيو 2024، مثلا، فاز بالنسخة الثانية من بطولة Chess Gate Blitz في البحرين.
نشاطه في السنوات الأخيرة
حتى في 2024 و2025 و2026، ظل اسم محمد تيسير يظهر في لوائح بطولات دولية عديدة.
وشملت مشاركاته الحديثة، بحسب قواعد البيانات، منافسات مثل:
Qatar Masters
Dubai Open
Sharjah
Abu Dhabi International Chess Festival
بطولات الكويت
البطولات العربية الفردية
بطولة العالم للسريع والخاطف.
أي أنه، بعد بلوغه الخمسين تقريبا، ما يزال لاعبا نشيطا دوليا، وليس مجرد بطل سابق يعيش على إنجازاته القديمة.
قاعدة ضخمة من المباريات
تضم قاعدة 365Chess قرابة 990 مباراة موثقة لمحمد تيسير بين 1995 و2025.
وتوزعت النتائج في هذه القاعدة تقريبا إلى:
374 انتصارا
239 تعادلا
377 هزيمة.
لكن هذه الأرقام لا تمثل كل المباريات التي لعبها في حياته، بل فقط المباريات الموجودة في القاعدة.
وتدل مع ذلك على الحجم الاستثنائي لنشاطه التنافسي.
أبرز انتصاراته على لاعبين أقوياء
تشير قاعدة ChessBase إلى أن من أقوى انتصارات تيسير المسجلة فوزه على الأستاذ الدولي الكبير الروسي ألكسندر بريدكه، وهو لاعب بلغ لاحقا مستويات عالية جدا في التصنيف العالمي.
كما واجه طوال مسيرته أسماء عالمية من قبيل:
فيسواناثان أناند
بوريس غيلفاند
ألكسندر خاليفمان
أليكسي درييف
براغناناندا
دافيد نافارا
غيورغ ماير
أكسيل باخمان
مورتاس كازغالييف
نيكو جورجياديس
وغيرهم من الأساتذة الدوليين الكبار.
بعض خصومه الأكثر تكرارا
تظهر إحصاءات ChessBase أن من اللاعبين الذين واجههم تيسير مرارا الأردني سامي خضر، بينما كان المصري أحمد عدلي من أصعب خصومه تاريخيا.
وهذه التفاصيل تعكس الطبيعة العربية والإفريقية الواسعة لمسيرته، إذ تكررت مواجهاته مع كبار اللاعبين في المنطقة على مدى عقود.
صناعة لاعبين في البحرين
أحد أوجه إرث محمد تيسير الذي قد لا تظهر قيمته كاملة إلا بعد سنوات هو دوره في نشر الشطرنج في البحرين.
فالأكاديمية التي يديرها منذ أكثر من عقد أصبحت فضاء لتعليم:
الأطفال
الناشئين
الفتيات والنساء
الهواة
اللاعبين الراغبين في دخول المنافسة الرسمية.
وفي تصريحات صحفية سنة 2021 تحدث تيسير عن ارتفاع الاهتمام بالشطرنج في البحرين، وخاصة بعد مسلسل The Queen’s Gambit وفترة جائحة كورونا.
وأكد أن الأكاديمية شهدت زيادة واضحة في إقبال النساء والفتيات على تعلم اللعبة.
الشطرنج كرسالة تربوية
من خلال تصريحاته التدريبية يظهر أن تيسير لا ينظر إلى الشطرنج بوصفه مجرد منافسة.
فهو يركز على:
التفكير
الانضباط
الثقة بالنفس
الصبر
اتخاذ القرار
التعلم المستمر.
وقد وصف الشطرنج في مقابلة بحرينية بأنه هواية يمكن للإنسان الاستمرار فيها حتى سن متقدمة جدا، وهو ما جسده شخصيا باستمراره في المنافسة حتى الخمسين.
علاقته بالشطرنج المغربي وأزماته
لا يمكن كتابة سيرة محمد تيسير كاملة من دون الإشارة إلى المرحلة المضطربة التي عاشها الشطرنج المغربي خلال أجزاء من مسيرته.
وقد تناولت ChessBase سنة 2017 أوضاع عدد من أبرز اللاعبين المغاربة الذين استقروا خارج المغرب، ومن بينهم:
محمد تيسير في البحرين
هشام الحمدوشي في قطر
علي صبار في الإمارات
إسماعيل كريم في عمان
عبد العزيز عنقود في فرنسا.
وربط التقرير بين هجرة عدد من الكفاءات وبين الصراعات التي عرفتها الجامعة المغربية خلال تلك المرحلة.
لكن تيسير نفسه بدا لاحقا أكثر ميلا إلى التركيز على الشطرنج والتكوين منه إلى الاستمرار في الصراعات الإدارية.
وقد نقل عنه ما معناه أن اهتمامه الأساسي هو الحديث عن الشطرنج وتطويره وليس السياسة.
وهذه نقطة مهمة لفهم شخصيته في السنوات اللاحقة.
العودة المستمرة إلى المنتخب
رغم استقراره في البحرين، لم يقطع محمد تيسير صلته بالمنتخب المغربي.
بل عاد مرارا للدفاع عن ألوان المغرب:
2014
2016
2018
2022
2024.
وحمل الرقعة الأولى في أكثر من دورة.
وهذا يفسر لماذا ظل اسمه، حتى بعد ظهور أجيال جديدة، حاضرا في حسابات المنتخب الوطني.
نموذج للاستمرارية
ربما أكثر ما يميز محمد تيسير عن كثير من اللاعبين ليس بطولة معينة وإنما الاستمرارية.
فكروا في التسلسل التالي:
1996: بطل المغرب وأول أولمبياد.
1998: وصيف إفريقيا متعادلا في الصدارة.
1999: بطل المغرب وبطل إفريقيا وإنجاز عربي.
2000: كأس العالم وأولمبياد إسطنبول.
2004: بطولة العالم وذهبية الأولمبياد.
2005: بطل المغرب والفائز ببطولة دولية في عدن ومدرب FIDE.
2006: يبلغ 2490.
2007 فما بعد: الاحتراف والاستقرار في البحرين.
2007-2010: نجاحات في دوريات الفرق البريطانية.
2011: برونزية الألعاب العربية مع المغرب.
2012: انطلاق أكاديمية البحرين للشطرنج.
2014 و2016: نجاحات عربية للأندية.
2014: العودة للأولمبياد.
2016: الرقعة الأولى للمغرب.
2018: الرقعة الأولى من جديد.
2021: كأس العالم.
2022: 6.5/9 في الأولمبياد.
2023: اعتماد لقب حكم FIDE.
2024: الرقعة الأولى للمغرب في بودابست.
2025 و2026: استمرار المشاركة في بطولات دولية وخليجية وعربية.
إنها مسيرة تمتد عمليا على أكثر من ثلاثين سنة من المنافسة الدولية.
مكانته بين كبار الشطرنج المغربي
عند تقييم محمد تيسير تاريخيا ينبغي عدم الاقتصار على أعلى تصنيف.
فمكانته تقوم على مجموعة متكاملة من المؤشرات:
بطل إفريقيا.
وصيف إفريقيا في النسخة الأولى بعد التعادل في الصدارة.
بطل المغرب ثلاث مرات.
ذهبية فردية في الأولمبياد.
ثماني مشاركات أولمبية.
المشاركة في بطولة العالم.
المشاركة في كأس العالم بنسختين يفصل بينهما 21 سنة.
بلوغ تصنيف 2490.
تحقيق نورما للأستاذ الدولي الكبير.
إنجازات عربية.
نجاحات في دوريات الفرق الأوروبية.
الاستمرار في المنتخب على مدى 28 سنة.
التحول إلى مدرب دولي.
تأسيس أكاديمية ناجحة.
الدخول إلى مجال التحكيم.
وإذا جمعنا هذه العناصر، فإن وضع محمد تيسير ضمن أكبر لاعبي تاريخ الشطرنج المغربي ليس مجاملة، بل استنتاج تدعمه النتائج.
الإنجاز الذي كان يمكن أن يغير مسيرته
يبقى السؤال التاريخي:
ماذا لو بلغ محمد تيسير لقب الأستاذ الدولي الكبير؟
في أكتوبر 2006 وصل إلى 2490، وكان يملك نورما واحدة على الأقل.
أي أن المسافة الفنية بينه وبين اللقب كانت صغيرة.
ولو اكتملت الشروط في تلك المرحلة، لكان المغرب قد امتلك إلى جانب هشام الحمدوشي أستاذا دوليا كبيرا آخر من جيل متقارب.
لكن التاريخ لا يكتب بالافتراضات.
ما يمكن إثباته هو أن تيسير اقترب جدا من مستوى GM، وأن أداءه في أولمبياد 2004 البالغ 2556 يؤكد أن قدرته على اللعب بذلك المستوى كانت موجودة فعليا.
محمد تيسير اليوم
في سن تقارب الخمسين، يجمع محمد تيسير بين عدة صفات:
أستاذ دولي
مدرب FIDE
حكم FIDE
مؤسس أكاديمية
لاعب دولي مغربي
صاحب خبرة عالمية تمتد لثلاثة عقود.
ولا يزال اسمه يظهر في البطولات الدولية، بينما يعمل في الوقت نفسه على تكوين لاعبين جدد في البحرين.
وهذه ربما أجمل حلقات المسيرة:
أن يبدأ الإنسان لاعبا شابا يبحث عن بطولة، ثم يصبح بعد ثلاثين عاما ناقلا للخبرة إلى أجيال كاملة دون أن يتوقف هو نفسه عن اللعب.
أبرز إنجازاته في سطور
بطل المغرب: 1996، 1999، 2005.
وصيف بطولة إفريقيا الأولى 1998 بعد التعادل في الصدارة بـ7 نقاط.
بطل إفريقيا: أكادير 1999.
ذهبية عربية بالأردن: 1999 بحسب سيرته الشخصية.
المشاركة في كأس العالم: الصين 2000.
تعادل في كأس العالم مع بوريس غيلفاند وبافل تريغوبوف.
المشاركة في بطولة العالم: طرابلس 2004.
ذهبية الرقعة الثانية في أولمبياد كالفيا 2004.
7.5/9 بنسبة 83.3% وأداء 2556 في أولمبياد 2004.
الفائز ببطولة الرئيس صالح الدولية في عدن 2005.
بلوغ تصنيف 2490 في أكتوبر 2006.
نورما واحدة على الأقل للأستاذ الدولي الكبير.
بطل فرق في الدوري البريطاني 4NCL موسم 2007-2008 بحسب سيرته.
بطل دوري لندن 2008 و2009 و2010 بحسب سيرته.
برونزية الألعاب العربية للفرق مع المغرب سنة 2011.
مؤسس أكاديمية البحرين للشطرنج منذ 2012.
بطل الأندية العربية مرتين، 2014 و2016، بحسب سجله المنشور.
6/10 بأداء 2430 في أولمبياد 2014.
الرقعة الأولى للمغرب في أولمبيادات متعددة.
العودة إلى كأس العالم سنة 2021.
6.5/9 وأداء 2426 في أولمبياد تشيناي 2022.
حكم FIDE منذ 2023.
الرقعة الأولى للمغرب في أولمبياد بودابست 2024.
ثماني مشاركات أولمبية تمتد من 1996 إلى 2024.
خلاصة
محمد تيسير ليس مجرد لاعب أحرز بعض البطولات في مرحلة معينة من تاريخ الشطرنج المغربي.
إنه مسار شطرنجي كامل.
شاب أصبح بطلا للمغرب وهو في العشرين، ثم نافس على أول بطولة لإفريقيا، وانتزع اللقب في السنة التالية، ولعب أمام أناند وغيلفاند وخاليفمان، وشارك في بطولة العالم، وحصد ذهبية أولمبياد، ووصل إلى 2490، واقترب من لقب الأستاذ الدولي الكبير، ثم انتقل إلى البحرين وصنع لنفسه مسارا جديدا كمدرب ومؤسس أكاديمية، قبل أن يعود مرارا إلى المنتخب الوطني ويواصل اللعب حتى مشارف الخمسين.
وبين أول ظهور أولمبي له في يريفان سنة 1996 وآخر ظهور في بودابست سنة 2024 ثمانية وعشرون عاما.
ثمانية وعشرون عاما ظل فيها اسم محمد تيسير مرتبطا برقعة الشطرنج الدولية وبالعلم المغربي.
ولهذا، فإن الحديث عنه باعتباره أحد أعمدة الشطرنج المغربي الحديث ليس حكما انطباعيا، وإنما خلاصة سجل طويل من النتائج الموثقة.
إنها مسيرة لاعب بلغ قمة إفريقيا، واعتلى منصة الأولمبياد العالمي، وواجه أبطال العالم، ثم اختار أن ينقل ما تعلمه إلى أجيال جديدة.
مراجع رقمية:
الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE): بطاقة محمد تيسير، التصنيف، الألقاب والسجل الرسمي.
موقع OlimpBase: مشاركات محمد تيسير مع المنتخب المغربي في الأولمبيادات ونتائجه الفردية.
موقع ChessBase: تقارير ومقالات عن محمد تيسير ومسيرته الدولية والشطرنج المغربي.
موقع Chess-Results: نتائج البطولات الدولية ومشاركات محمد تيسير الحديثة.
قاعدة 365Chess: أرشيف مباريات محمد تيسير ونتائجه عبر سنوات طويلة.
الاتحاد الإفريقي للشطرنج: أرشيف بطولة إفريقيا الفردية ونتائجها.
أكاديمية البحرين للشطرنج: السيرة التدريبية لمحمد تيسير ونشاطه في البحرين.
الصحافة البحرينية: حوارات وتقارير حول تيسير وعمله في التدريب ونشر الشطرنج.
السيرة الشطرنجية المنشورة لمحمد تيسير: الألقاب والإنجازات العربية والدولية التي يوثقها عن مسيرته.
أضف تعليق