الدكتور مراد متيوي… لاعب قوي من جيل الشمال ومثقف متعدد الوجوه من تطوان وطنجة إلى بروكسيل

يعد الدكتور مراد متيوي Mourad Métioui من الأسماء المتميزة في جيل الشطرنج بشمال المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي؛ فقد جمع بين مسيرة قوية فوق الرقعة، والاهتمام بالتأليف الشطرنجي، والعمل الصحفي والإصلاحي، إلى جانب مسار علمي وأدبي لافت.

ولد مراد متيوي سنة 1967، ونشأ بالمغرب قبل انتقاله إلى بلجيكا سنة 1990. وتشير سيرته إلى أن تعرفه على الشطرنج المنظم بدأ في تطوان سنة 1980، قبل أن يصبح خلال سنوات قليلة واحدا من اللاعبين البارزين في محيط تطوان وطنجة.

🟢 من أبرز لاعبي جيل الشمال في الثمانينيات

نشط مراد متيوي في الشطرنج المغربي بصورة خاصة بين 1984 و1990، ومثل خلال هذه المرحلة أندية شباب تطوان، والهدف، والبوغاز بطنجة. ويضعه أرشيف الشطرنج الطنجي ضمن الجيل القوي الذي برز في طنجة خلال الثمانينيات والتسعينيات إلى جانب أسماء مثل نبيل بنشريفة وزكرياء بنيس وهشام الحمدوشي وغيرهم.

وفي سنة 1986 حقق واحدا من أهم إنجازاته الوطنية بإحراز المركز الثاني في بطولة المغرب للشبان، بعد أن أنهى البطولة متعادلا في المركز الأول من حيث النقاط. ولم يتوقف حضوره عند منافسات الشبان؛ فقد شارك في المرحلة النهائية لبطولة المغرب الفردية للكبار خلال أربع سنوات متتالية، من 1986 إلى 1989، كما خاض عددا من الدوريات الوطنية والدولية في المغرب وإسبانيا بين 1986 و1990.

وكان من بين الأندية التي ارتدى ألوانها نادي الهدف بطنجة، في مرحلة كان فيها النادي بين فرق الصف الأول وطنيا؛ إذ أحرز الهدف وصافة بطولة المغرب للأندية موسم 1985-1986 خلف نادي هواة الشطرنج بوجدة. ويشكل ذلك مؤشرا إضافيا إلى المستوى التنافسي القوي للوسط الذي كان متيوي ينشط فيه خلال تلك الفترة.

🔴 مرحلة جديدة وقوية في بلجيكا

انتقل متيوي إلى بلجيكا سنة 1990 لمتابعة دراسته، لكنه واصل ممارسة الشطرنج على مستوى تنافسي مرتفع.

ووصل سنة 1991 إلى تصنيف وطني بلجيكي قدره 2324، وهو أعلى تصنيف بلجيكي موثق له. وفي السنة نفسها فاز بـ Tournoi des Damnés de Bruxelles – دوري دامني ببروكسيل، متقدما على عدد من الأساتذة البلجيكيين.

وأصبح لاحقا من لاعبي Cercle Royal des Échecs de Bruxelles – النادي الملكي للشطرنج ببروكسيل (CREB)، وهو ناد عريق ظل مرتبطا به لسنوات طويلة. وتظهر سجلات الاتحاد الملكي البلجيكي للشطرنج باسمه نحو 200 مباراة، كما ما يزال مسجلا في CREB.

🟠 نتائج بارزة أمام لاعبين أقوياء

تكشف قواعد المباريات البلجيكية والدولية عن عدد من النتائج اللافتة لمتيوي.

ففي بطولة الأندية البلجيكية تعادل سنة 1998 مع الأستاذ الفيدرالي Felix Beeckmans المصنف 2204، ثم فاز سنة 2004 على Steff Helsen بينما كان تصنيف متيوي 2042.

أما واحدة من أجمل نتائجه الموثقة فجاءت خلال المهرجان الدولي الخامس للشطرنج ببروكسيل سنة 2007. فقد سجل 7 نقاط من 11 جولة واحتل المركز 23 في بطولة قوية ضمت عددا كبيرا من الأساتذة الكبار والدوليين، متقدما في الترتيب على مجموعة من اللاعبين الذين تجاوزت تصنيفاتهم 2200 و2300.

وفي الجولة الأخيرة من البطولة نفسها حقق انتصارا لافتا على الأستاذ الفيدرالي البلجيكي Fabrice Wantiez المصنف 2294، بينما كان تصنيف متيوي 2074. وقد حفظت قواعد المباريات اللقاء كاملا وانتهى بفوز متيوي بالأبيض.

كما يسجل أرشيف عبد العزيز عنقود ضمن إنجازاته إحراز وصافة بطولة بلجيكا في اللعب السريع سنة 2007.

وهكذا تكشف مرحلته البلجيكية أن متيوي لم يكن مجرد لاعب مغربي سابق واصل ممارسة هوايته بعد الهجرة، بل ظل قادرا لسنوات طويلة على المنافسة وتحقيق نتائج قوية أمام لاعبين مصنفين وأصحاب ألقاب دولية.

🟢 حضور متجدد في مهرجان شفشاون

ومن المحطات التي ظلت تربط مراد متيوي بالشطرنج المغربي بعد استقراره في بلجيكا مهرجان شفشاون الدولي للشطرنج، الذي شكل لسنوات أحد أبرز المواعيد الشطرنجية في شمال المغرب.

وتثبت الأرشيفات مشاركته في أكثر من دورة؛ ففي كأس مدينة شفشاون الخامسة سنة 2006 كان من أبرز الأسماء المسجلة، بتصنيف دولي بلغ آنذاك 2063، وسط لائحة ضمت محمد تيسير ومخلص العدناني ومحمد عربوش وسمير بنعينو وكمال الداودي وغيرهم.

كما يظهر اسمه مجددا في ماراثون الشطرنج الخاطف ضمن المهرجان الثاني عشر سنة 2013، ثم شارك في الدورة الرابعة عشرة للمهرجان سنة 2015، وهو ما يعكس استمرار صلته بالشطرنج المغربي ووفاءه لمهرجان مدينة ارتبطت بذاكرة الشطرنج في شمال المملكة

🟣 التأليف الشطرنجي… وجه آخر للموهبة

لم تقتصر علاقته بالشطرنج على اللعب؛ فقد اهتم أيضا بـ التأليف الشطرنجي والدراسات، وتنسب إليه المصادر نحو عشر مسائل شطرنجية حصل بعضها على تنويهات.

وفي سنة 2007 تولى مهمة محرر قسم الدراسات والنهايات في مجلة Problemaz المتخصصة في التأليف الشطرنجي، وهو ما تؤكده مصادر دولية متخصصة في هذا المجال.

كما نشرت مجلة CREB إحدى مؤلفاته الشطرنجية سنة 2007 ضمن ركن المسائل الخاص بالنادي.

📰 رئيس تحرير Maroc Echecs… وصوت إصلاحي

جاءت السمعة الطيبة التي اكتسبها مراد متيوي في الوسط الشطرنجي أيضا من حضوره الإعلامي والفكري.

فقد كان من أبرز كتاب موقع Maroc Echecs – ماروك إيشيك، ثم تولى رئاسة تحريره خلال مرحلة مهمة من تاريخه، وتثبت أرشيفات الموقع كثافة مساهماته في الأخبار والتحليل والتوثيق ومناقشة أوضاع الشطرنج المغربي.

ومن مقالاته «Quel avenir pour le sport marocain ?» – «أي مستقبل للرياضة المغربية؟»، و«L’au revoir de Hicham» – «وداع هشام»، إضافة إلى افتتاحيات حملت عناوين مثل «Entre rires et pleurs» – «بين الضحك والبكاء» و«Ouvrons les yeux» – «لنفتح أعيننا».

وكان متيوي من الأصوات التي دافعت بقوة عن إصلاح الجامعة الملكية المغربية للشطرنج، وحرية التعبير، وتحسين الحكامة والتدبير، وإعطاء اللاعبين والأندية مساحة أكبر للمشاركة والنقاش.

كما شارك مع عبد العزيز عنقود في تغطية الألعاب العربية سنة 2007، وتظهر عشرات المواد المنشورة باسميهما في أرشيف Maroc Echecs. وفي سنة 2008 أحال الموقع الرسمي للاتحاد الدولي للشطرنج إلى تقرير عن البطولة العربية للشباب في أبوظبي أعده مراد متيوي وبوجمعة قريوش.

🎓 الدكتور والباحث العلمي

بالتوازي مع الشطرنج، بنى متيوي مسارا علميا متميزا.

حصل سنة 1990 على الإجازة في العلوم، تخصص البيولوجيا الحيوانية، من جامعة عبد المالك السعدي، ثم تابع دراسته في الجامعة الحرة ببروكسيل ULB، حيث حصل سنة 1992 على شهادة متخصصة في البيولوجيا الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية، ثم نال سنة 1998 الدكتوراه في العلوم البيولوجية بأعلى ميزة.

وعمل بعد ذلك باحثا في INSERM بجامعة Paris XI – المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي بجامعة باريس 11، ثم في ULB وVrije Universiteit Brussel، قبل انتقاله لاحقا إلى العمل الإداري والمسؤوليات التدبيرية في مؤسسات بروكسيل.

🟣 مراد متيوي الشاعر… حين تلتقي الرقعة بالذاكرة

ويكتمل هذا المسار المتعدد بتجربة شعرية باللغة الفرنسية تمتد إلى سنوات طويلة. ويجمع متيوي عددا من نصوصه في مشروع «À cœur ouvert, à mots couverts» – «بقلب مفتوح وكلمات مواربة»، وينشر بعضها باسم أدبي هو Damour، وهو تركيب لحروف اسمه Mourad.

وتتحرك قصائده بين الذاكرة والفقد والصداقة والطبيعة والهجرة والكرامة الإنسانية والأب والأمل. وتظهر هذه الموضوعات بوضوح في موقعه الشعري، حيث يصف كتابته بأنها تجمع بين الحميمي والإنساني، وبين الذاكرة والعالم الخارجي.

ومن أكثر قصائده ارتباطا بمسيرته الشطرنجية «Silence sur l’échiquier» – «صمت على رقعة الشطرنج»، التي كتبها في ذكرى صديقه ورفيق الشطرنج سمير بناينو، مستعيدا سنوات شبابهما في تطوان:

**À Tétouan

nous apprenions le monde

en déplaçant des pièces.

Assoiffés

de savoir

et de liberté.**

وترجمتها:

**في تطوان

كنا نتعلم العالم

ونحن نحرك قطع الشطرنج.

متعطشين

إلى المعرفة

وإلى الحرية.**

وهي صورة تختصر بصورة جميلة ما مثله الشطرنج لجيل من شباب تطوان: أكثر من مجرد لعبة، بل فضاء للصداقة والمعرفة واكتشاف العالم.

ومن نصوصه أيضا «Oser l’espoir» – «أن نجرؤ على الأمل» حول الهجرة والكرامة الإنسانية، و«Le brasier» – «الحريق» عن حرائق الطبيعة والتضامن، و«Monsieur le Directeur» – «السيد المدير» في ذكرى والده المربي، و«Reflets d’un été éternel» – «انعكاسات صيف أبدي» في الاحتفاء بجمال الطبيعة.

وفي سنة 2026 أعلن اختيار متتاليته الشعرية «Ce qui demeure» – «ما يبقى» للنشر في العدد الثامن من مجلة الشعر الفرنسية La Forge – الكور الصادرة عن Éditions de Corlevour.

🔵 شهادة الأستاذ الدولي محمد مبارك ريان

وتكتسب مسيرة مراد متيوي قيمة إضافية من شهادات أبناء جيله الذين عرفوه لاعبا وكاتبا وفاعلا في الوسط الشطرنجي. وفي شهادة خاصة بمناسبة إعداد هذا التقرير، يقول الأستاذ الدولي وبطل المغرب السابق محمد مبارك ريان:

«يعتبر بحق أحد المعالم البارزة في الحركة الشطرنجية المغربية المعاصرة، ذو تكوين شطرنجي متين في مجال التباري ووضع المسائل الشطرنجية، ورجل علم وباحث متميز في ميدان البيولوجيا.»

ويضيف ريان أن الفترة التي قضاها متيوي في رئاسة تحرير موقع Maroc Echecs – المغرب للشطرنج كانت «فعلا مثمرة ومتميزة»، مشيدا كذلك بمواهبه الأدبية ونشاطه الجمعوي ومسيرته الثقافية المتعددة.

وتنسجم هذه الشهادة مع المسار الذي تكشفه الوثائق: لاعب قوي من جيل الشمال، ومؤلف للمسائل الشطرنجية، وباحث علمي، وكاتب حمل هم إصلاح الشطرنج المغربي، ثم صاحب تجربة أدبية وشعرية امتدت إلى سنوات طويلة.

♦️ مسيرة تتجاوز رقعة الشطرنج

تكشف مسيرة الدكتور مراد متيوي عن شخصية يصعب اختزالها في مجال واحد.

فهو من اللاعبين الأقوياء الذين أنجبتهم مدرسة الشطرنج في تطوان وطنجة خلال الثمانينيات؛ وصيف بطولة المغرب للشبان سنة 1986، ومشارك منتظم في نهائيات بطولة المغرب للكبار، ولاعب في أندية قوية من بينها الهدف بطنجة، ثم صاحب مسيرة بلجيكية وصل خلالها تصنيفه الوطني إلى 2324، وفاز بدوري في بروكسيل، وحقق نتائج بارزة أمام لاعبين مصنفين فوق 2200.

وإلى جانب ذلك كان مؤلفا للمسائل والدراسات الشطرنجية، ورئيس تحرير وكاتبا إصلاحيا في Maroc Echecs، وباحثا حاصلا على الدكتوراه في العلوم، وشاعرا باللغة الفرنسية.

إنها شخصية تجمع بين قوة اللاعب ودقة الباحث وجرأة الكاتب ورهافة الشاعر؛ وهو ما يفسر المكانة والسمعة الطيبة اللتين احتفظ بهما مراد متيوي لدى أجيال من الشطرنجيين الذين عرفوه في المغرب وبلجيكا.

📚 المراجع

أرشيف عبد العزيز عنقود للشطرنج المغربي؛ أرشيف Maroc Echecs؛ أرشيف بطولة المغرب للأندية؛ الاتحاد الملكي البلجيكي للشطرنج؛ مجلة النادي الملكي للشطرنج ببروكسيل CREB؛ The Week in Chess؛ قاعدة 365Chess؛ الموقع القديم للاتحاد الدولي FIDE؛ الموقع العلمي والشخصي لمراد متيوي؛ موقعه الأدبي Les mots Damour.


التعليقات

أضف تعليق