صحفي فرنسي يكتب سنة 1950 عن دوريات الشطرنج بتطوان ..ويروي قصة شيخ من غمارة يحفظ قواعد اللعبة دون أن يرى رقعتها قط !

🟢 وجدنا عند البحث في أرشيف الصحف الصادرة بالمغرب قبل الاستقلال مقالا مثيرا للاهتمام نشرته صحيفة “La Vigie marocaine” بتاريخ 2 يناير 1950.. تحت عنوان “Les tournois d’échecs de Tétouan” .. أي “دوريات الشطرنج بتطوان”.. بتوقيع الصحفي “H. B.”.

🟢 يتناول المقال النشاط الشطرنجي بمدينة تطوان خلال فترة الحماية الإسبانية.. ويقدم معلومات عن مشاركة اللاعب الإسباني الشهير أرتورو بومار.. ومواجهته للاعب المغربي إدريس بنعبود.. كما يتحدث عن تعلق المغاربة بالشطرنج ومكانته المتميزة لديهم.

🟢 وأكثر ما يثير الانتباه في هذه الوثيقة حكاية إنسانية مؤثرة يرويها الصحفي عن شيخ من قبائل غمارة التي توجد قرب شفشاون.. كان يحفظ قواعد الشطرنج عن ظهر قلب اعتمادا على كتاب عربي قديم.. دون أن يكون قد رأى رقعة شطرنج في حياته!

🟢 الوثيقة الأصلية:

🟢 الترجمة العربية الكاملة للمقال

“دوريات الشطرنج بتطوان”

تطوان.. مراسل خاص

تتواصل دوريات الشطرنج بتطوان، التي سبق لنا الإعلان عن انطلاقها، دون أن تفتر حماسة المشاركين بسبب فترات التفكير الطويلة والصامتة أمام الطاولات التي يتنافس حولها الهواة.

ومن الطبيعي أن يكون الشاب أرتوريتو بومار، بطل إسبانيا السابق، الذي شارك وهو في الرابعة عشرة من عمره في منافسات دولية بالأرجنتين والبرتغال وإنجلترا وهولندا، نجم هذه المنافسات.

وقد قدم لنا عرضًا رائعًا لموهبته، عندما واجه في قاعات فندق “ناسيونال” أفضل عشرين لاعبًا هاويًا بالمنطقة، اجتمعوا حوله، فحقق بسرعة ثمانية عشر انتصارًا، فيما انتهت المباراتان الأخريان بانسحاب المنافسين.

وفي المساء، واجه اللاعب الشهير إدريس بنعبود، المعروف جيدًا في المغرب، وتغلب عليه بست نقاط مقابل أربع.

ويجري حاليًا الإعداد لمنافسات جديدة للثأر الرياضي.. ويتوج النجاح، عن جدارة، جهود المنظمين.

وغني عن القول إن عددًا كبيرًا جدًا من المسلمين يتابعون المباريات بشغف كبير.. فالشطرنج، بالنسبة إليهم، لعبة نبيلة بين جميع الألعاب.. بينما يعتبرون لعبة الضامة لعبة مبتذلة مخصصة لعامة الناس.

وهم يفتخرون، وعن حق، بأنهم كانوا مخترعي هذه اللعبة.. التي كانت ثمرة ساعات طويلة من التأمل والصبر.. وهي خصال تتلاءم مع الروح العربية.

إن الشطرنج يكاد يكون بالنسبة إليهم لعبة مقدسة، أو طقسًا خاصًا.

واسمحوا لي، بهذه المناسبة، أن أحكي لكم واقعة عشتها بنفسي.. وأضمن لكم صحتها.

حكاية الشيخ القادم من غمارة

قبل نحو سنة.. وبينما كنت أمر أمام مقهى مغربي بساحة إسبانيا في تطوان.. ناداني أحد أصدقائي المسلمين، وقدمني إلى شيخ مسن كان جالسًا معه.. فحياني بذلك الأدب الرفيع الذي يميز المغرب القديم.

وقال لي صديقي:

“أترى يا صديقي.. بما أنك من هواة الشطرنج، فإنني أقدم لك رجلًا من قبيلة غمارة قرب شفشاون.. إنه يعرف عن ظهر قلب جميع قواعد لعبة الشطرنج، وقد تعلمها من كتاب عربي عتيق جدًا.. ويرددها كما لو كان يتلو صلاة.. ولكن.. إنه لم يرَ في حياته رقعة شطرنج قط!”.

واتفقنا على الفور على موعد في اليوم التالي، داخل مقهى معروف، حتى نتدارك هذا النقص.

وقد شرح صديقي دعوتي إلى الشيخ الطيب.. فشكرني بتأثر بالغ لمس أعماق نفسي.

لكن في اليوم التالي.. لم يحضر أحد إلى الموعد.

ولم أستغرب الأمر كثيرًا.. إذ قلت في نفسي، مرة أخرى، إن الله وحده سيد الوقت.. وإن الدقة في المواعيد اختراع شيطاني لا ينبغي أن أعيره أهمية.

غير أنني لم أكن أدري إلى أي حد ستصدق كلماتي!

فبعد مدة طويلة.. التقيت صديقي مجددًا، وذكّرته بحديثنا السابق، وسألته عن أخبار الرجل الغماري.

فأجابني:

“في مساء ذلك اليوم نفسه.. أحس الشيخ بالمرض، وأراد العودة إلى بيته برفقة أشخاص من قبيلته.

ولزم فراشه.. ولم ينهض منه أبدًا.. فقد مات.

وقد أخبرني رجال من تلك الناحية أنه لم يكف عن ترديد هذه الكلمات:

لن أرى مرة أخرى سيدي محمد والمسيحي اللذين كانا سيُرياني رقعة شطرنج.. لن أرى رقعة شطرنج أبدًا..“.

وأضاف المغربي بوقار:

“لقد كان ذلك مكتوبًا”.

ولا أعرف لماذا لم أعد أستطيع الآن حضور مباراة شطرنج دون أن أتذكر بحزن ذلك الشيخ الطيب من شفشاون.. الذي كان يتلو قواعد هذه اللعبة النبيلة كما يتلو صلاة.

لعل الله أراد أن يجنب هذا الرجل خيبة أمل؟

التوقيع.. H. B.


🟢 ملاحظات وخلاصات تاريخية:

1. نشاط شطرنجي كبير بتطوان خلال فترة الحماية.. تؤكد الوثيقة وجود حركة شطرنجية نشيطة ومنظمة بمدينة تطوان خلال فترة الحماية الإسبانية.. من خلال الدوريات والمنافسات والعروض المتزامنة(المباريات الجماعية الآنية ) التي استقطبت لاعبين معروفين قبل استقلال المغرب.

2. حضور جماهيري مغربي لافت.. يكشف الصحفي عن وجود أعداد كبيرة من المغاربة المسلمين الذين كانوا يتابعون المباريات بشغف.. مما يدل على أن الاهتمام بالشطرنج لم يكن مقتصرًا على الإسبان .. بل كان يحظى بمتابعة كبيرة من مغاربة المدينة.

3. مكانة متميزة للشطرنج لدى المغاربة.. يصف الصحفي تعلق المغاربة باللعبة واعتبارهم إياها نشاطًا نبيلا يرتبط بالتأمل والصبر.. بل يكاد يكون مقدسا لديهم أو أشبه بطقس خاص. كما يشير إلى اعتقادهم بأن العرب هم مخترعو الشطرنج.. ويتبنى الكاتب نفسه هذا الاعتقاد حين يؤكد أنهم يفتخرون بذلك “عن حق”.. ويذكرنا ذلك بكتاب شهير للأستاذ عبد الحفيظ العمري عنوانه :”الشطرنج هدية العرب إلى العالم “.

4. قوة اللاعب المغربي إدريس بنعبود وشهرته.. يصف المقال بنعبود بأنه لاعب مشهور ومعروف جيدًا في المغرب.. ويكشف عن مواجهته للاعب الإسباني أرتورو بومار.. التي انتهت بخسارته بنتيجة 6 مقابل 4.. ورغم الهزيمة.. فإن تحقيق أربع نقاط أمام لاعب من مكانة بومار الدولية ليس بالأمر الهين.. بل يعكس مستوى محترما جدا للاعب المغربي إدريس بنعبود .

5. معرفة تقليدية بالشطرنج في شفشاون .. تقدم حكاية الشيخ الغماري شهادة ثمينة عن تداول قواعد الشطرنج اعتمادًا على كتاب عربي عتيق.. بعيدًا عن الأندية الحديثة والمراكز الحضرية الكبرى. وتوحي هذه الشهادة بعراقة معرفة المغاربة للشطرنج وامتدادها في التراث الكتابي والشفوي.. وتفتح آفاقًا للبحث في جذورها التاريخية.

🟢 حكاية تستحق التوثيق

🔴 هذه وثيقة ثمينة لا تقتصر على تسجيل نتائج المنافسات الشطرنجية بتطوان.. وإنما تتجاوز ذلك إلى الكشف عن جانب ثقافي وإنساني من تاريخ الشطرنج المغربي.. وعن حضور المغاربة لاعبين وجمهورا في الحياة الشطرنجية قبل الاستقلال.

🔴 وأكثر ما يثير التأثر حكاية ذلك الشيخ القادم من جبال غمارة.. الذي عرف الشطرنج من صفحات كتاب عربي قديم.. وحفظ قواعده في ذاكرته.. لكنه رحل عن الدنيا دون أن يرى الرقعة .

🔴 ولا يذكر المقال هوية الشيخ وعنوان الكتاب الذي تعلم منه .. ولكنها تبقى شهادة مهمة رواها صحفي فرنسي على الأرجح … على لسان صديقه المغربي.. عن وجود معرفة واضحة بلعبة الشطرنج لدى المغاربة في تلك الفترة .. خصوصا في منطقة جبلية بعيدة عن مراكز العمران ..ولذلك بفضل منتوج أدبي تراثي متداول .

المصدر التاريخي:

صحيفة “La Vigie marocaine”.. عدد 2 يناير 1950.. الصفحة الثانية.

عنوان المقال الأصلي.. “Les tournois d’échecs de Tétouan”.

توقيع الصحفي.. “H. B.”

إعداد وترجمة وتوثيق.. بوابة الشطرنج المغربي


Comments

اترك تعليقاً