🟢 سبتة.. حاضرة مغربية عريقة
كانت سبتة منذ عهد الأدارسة إحدى حواضر المغرب العريقة.. وازدهرت خلال عهود الدول المغربية المتعاقبة.. واشتهرت بعلمائها وفقهائها وأدبائها.. ومن أبرزهم القاضي عياض والشريف الإدريسي والشاعر مالك بن المرحل.
وفي فترة ضعف الدولة المرينية.. استغلت البرتغال الأوضاع الداخلية للمغرب واحتلت سبتة يوم 21 غشت 1415.. ثم انتقلت سبتة إلى الاحتلال الإسباني سنة 1640.. بعد انفصال البرتغال عن التاج الإسباني.. وأقرت البرتغال ذلك في معاهدة لشبونة سنة 1668.. وما زالت إسبانيا تحتل المدينة المغربية إلى اليوم.. حيث جاءها الملك الإسباني فيليبي السادس يوم 13 أكتوبر 2026 في مسعى لتكريس احتلال بلاده لسبتة المغربية .
لم يتوقف المغاربة عن محاولة استرجاع مدينتهم.. منذ احتلالها. فتعاقبت الحملات والحصارات العسكرية وقدموا تضحيات بشرية جسيمة دون أن ينجحوا في تحريرها..وكانت سبتة جرحا مفتوحا لا يتوقف العلماء والأدباء عن استحضاره مطالبين باسترجاع المدينة مع سائر الثغور السليبة .
وكان السلطان العلوي مولاي إسماعيل المتوفى سنة 1727 أبرز من حاول استعادتها.. بعدما حرر المهدية وطنجة والعرائش وأصيلا من الاحتلال الأوروبي.. وفرض على سبتة حصارا طويلا بدأ سنة 1694 واستمر إلى سنة 1727.. أي حوالي ثلاثة وثلاثين سنة دون أن يتحقق الهدف بسبب المقاومة الإسبانية والظروف العسكرية غير المؤاتية ..حيث كان الأسطول المغربي ضعيفا …في حين أن التحرير مفتاحه الجهات البحرية التي تحيط بسبتة كما أكد بعض المحللين.

*رسم تاريخي لمدينة سبتة المغربية حوالي سنة 1700.. خلال الحصار الطويل الذي فرضته القوات المغربية في عهد السلطان مولاي إسماعيل لاسترجاع المدينة من الاحتلال الإسباني*
بعد وفاة مولاي إسماعيل تجددت المحاولات في عهد بعض خلفائه دون نجاح.. وظلت سبتة حاضرة في الذاكرة والمطالب الترابية المغربية إلى غاية اليوم . ولكن الظروف السياسية والدبلوماسية الحالية تؤجل طرح ملف استرجاعها بصورة رسمية .
🟢 الشطرنج في سبتة قبل الاحتلال
تكشف المصادر التاريخية التي اطلعنا عليها جانبا آخر من الحياة الثقافية في سبتة المغربية قبل سنة 1415..والتي كانت تعرف ازدهارا في مختلف المجالات .
وقد أشارت الباحثة المغربية حليمة فرحات في كتابها “سبتة من النشأة إلى القرن الرابع عشر” الصادر سنة 1993.. حسب ما ينقله موقع التراث الثقافي لسبتة.. إلى انتشار ممارسة الشطرنج في أوساط أعيان المدينة.. وإقامة لقاءات جمعت لاعبين مهرة من مدن مختلفة..
واتضح من بعض ما وصلنا من آثار أن علماء وأدباء من سبتة ..ارتبطت أسماؤهم بالشطرنج.
🟢 محمد بن عبد المنعم الحميري.. لاعب دون رؤية الرقعة!
من أبرز هؤلاء محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري.. وهو عالم سبتي عاش خلال القرن الرابع عشر.. واشتهر بقوة ذاكرته وبراعته في الشطرنج.
وقد وصفه لسان الدين ابن الخطيب في كتابه “الإحاطة في أخبار غرناطة” بقوله:
“طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا”.
وتؤكد هذه الشهادة أنه كان يستطيع ممارسة الشطرنج دون رؤية الرقعة.. وهي مهارة ذهنية كبيرة..مما يدل على إجادته الشطرنج ومعرفنه حساباته ولفرط براعته صار يتحدى خصومه بهزمهم دون أن ينظر إلى الرقعة!
كما نقلت دراسة أكاديمية عن المؤرخ ابن خميس أنه كان يمارس الشطرنج منذ صغره وينافس أقوياء اللاعبين.
🟢 مالك بن المرحل.. شاعر سبتي ألّف في الشطرنج
أما الشخصية الثانية فهي الشاعر والأديب مالك بن المرحل السبتي.. أحد أعلام الأدب المغربي في القرن الثالث عشر.. والذي ترجم له عبد الله كنون في كتابه “النبوغ المغربي في الأدب العربي” ووصفه بشاعر المغرب الأكبر.
ويذكر موقع التراث الثقافي لسبتة.. نقلا عن دراسة حليمة فرحات.. أن ابن المرحل ألّف رسالة في الشطرنج وابتكر صيغة من اللعبة تسمى “الروندا”.
ولكن المعلومة ما زالت تحتاج إلى بحث وتحقيق.. إذ لم نقف حتى الآن على نص الرسالة أو مصدر عربي قديم ينسبها له أو يستشهد ببعض فقراتها.

*بقايا الأسوار المرينية بمدينة سبتة المغربية.. شيدها السلطان أبو سعيد عثمان سنة 1328.. قبل الاحتلال البرتغالي سنة 1415*
🟢 تاريخ شطرنجي يستحق الاستعادة
تكشف هذه الشهادات أن سبتة المغربية عرفت ممارسة الشطرنج قبل الاحتلال البرتغالي .. وأن بعض أبنائها برعوا وتفوقوا فيها ..ولعل ازدهار الشطرنج في سبتة خلال العصر الوسيط كان من ثمار العلاقات الحضارية الوثيقة بين المغرب والأندلس.. خصوصا في عهدي المرابطين والموحدين حين كانت أجزاء واسعة من الأندلس خاضعة لحكم الدول المغربية..وكان الشطرنج منتشرا بشكل واسع في الأندلس حينها .. وكانت سبتة جسرا للتواصل بين الضفتين.. ومعبرا للعلماء والأدباء والتجار.. وللأفكار والمعارف والألعاب الفكرية أيضا.
وستحاول “بوابة الشطرنج المغربي ” استعادة هذا التاريخ المنسي باعتبار سبتة مدينة مغربية أصيلة .. وتحسيس الجيل الجديد بهذه الحقيقة التاريخية..حتى يتشبث بمطلب إعادة المدينة السليبة وسائر الثغور السليبة إلى حضن الوطن .

*محرر هذا المقال في صورة سنة 2021 على مشارف سبتة المغربية المحتلة *

اترك تعليقاً