🟢كنز توثيقي جديد.. مقال المرحوم البهاوي في “معلمة المغرب” يكشف صفحات من تاريخ الشطرنج المغربي قبل الاستقلال


🟢 تقديم
خلال بحثنا المتواصل في ذاكرة الشطرنج المغربي.. عثرنا في الجزء 16 من موسوعة “معلمة المغرب” الصادر سنة 2002 على مقال مهم للمرحوم محمد حسن السوسي البهاوي بعنوان “الشطرنج بالمغرب”.
للمقال قيمة توثيقية كبرى فهو لا يبدأ بتاريخ الجامعة الملكية المغربية للشطرنج أو مرحلة الاستقلال.. بل يعود إلى قرون سابقة ليستعرض حضور اللعبة في الثقافة المغربية .. وبعض من مارسها.. وما ألفه المغاربة ونظموه حولها.. لينتقل إلى ظهور الشطرنج العصري خلال فترة الحماية..ثم الانطلاقة الرسمية بعد تأسيس الجامعة الملكية المغربية للشطرنج .
ونكتفي في هذا التقرير بالجزء المتعلق بتاريخ الشطرنج في المغرب إلى ما قبل الاستقلال.. ويبقىى ما أورده المرحوم البهاوي مفتاحا توثيقيا مهما قد يقود بمزيد من البحث إلى تفاصيل أكثر عن تاريخ الشطرنج المغربي منذ العصور القديمة.


🟢 جذور قديمة للشطرنح في المغرب
يرجح البهاوي أن معرفة المغاربة بالشطرنج تعود إلى فترة مبكرة.. مستندا إلى العلاقات الوثيقة التي جمعت المغرب بالأندلس، وما صاحبها من انتقال للعلوم والفنون ومظاهر الحضارة بين الضفتين. وكان الشطرنج من الألعاب التي ازدهرت في الأندلس ومارسها عدد من رجالها البارزين.. ولذلك يرى أنه من المرجح أن يكون المغاربة قد تعرفوا عليه من خلال هذا الاتصال المستمر.

🟢 أحمد المنجور الفاسي.. “أحد الأبطال في لعب الشطرنج”
ومن أقدم الأسماء المغربية التي يوردها المقال العلامة أحمد المنجور الفاسي الذي عاش في العصر السعدي.
وينقل البهاوي عن العلامة عبد الله كنون في كتاب “النبوع المغربي في الأدب العربي” أن المنجور:
“كان أحد الأبطال في لعب الشطرنج”.
وهي إشارة مهمة إلى ممارسة الشطرنج في الأوساط العلمية المغربية بفاس خلال القرن السادس عشر.
🟢 الشطرنج يدخل الشعر المغربي
لم يقتصر حضور الشطرنج على الممارسة.. بل دخل كذلك لغة الأدب والشعر.
ويذكر البهاوي الشاعر المغربي ابن الونان الذي عاش في القرن الثامن عشر.. واستعمل في قصيدة له صورة مستمدة من رقعة الشطرنج:
“ولا تحارب ساقط القدر فكم
من شيهة قد غلبت ببيدق”
وهي شهادة أخرى على حضور مفردات اللعبة في الأدب المغربي القديم.
🟢 زنون التازي.. كتاب يتضمن بابا في الشطرنج
ويورد المقال اسم الشيخ زنون التازي الذي عاش في القرن السابع عشر.. وكانت له دراية بأصول الموسيقى الأندلسية وطرائف اللعب بالشطرنج.
وقد ألف كتابا بعنوان “مختصر الأفاريد”.. وضمنه بابا خاصا بلعبة الشطرنج.
ويذكر البهاوي أن الكتاب طبع بخط مغربي سنة 1300هـ في مطبعة حجرية بفاس.
ومن خلال هذه الإشارات يخلص إلى أن الشطرنج كان معروفا منذ القديم في كبريات المدن المغربية.. ومنها فاس وتطوان وسلا والرباط ومراكش.. غير أن ممارسيه كانوا في الغالب هواة متفرقين يلعبون داخل البيوت أو في مجالس خاصة دون أندية أو اتحادات.
🟢 “ياقوتة الشطرنج”.. أرجوزة من 320 بيتا
ومن مظاهر اهتمام المغاربة باللعبة نظم قصائد كاملة في الشطرنج.
ويذكر المقال “ياقوتة الشطرنج”.. وهي أرجوزة وضعها الأديب محمد بن محمد حركات السلاوي سنة 1333هـ/1915م.. وتتكون من 320 بيتا.
كما يشير إلى منظومة أخرى لمحمد بن محمد بن علي الدكالي.. طبعت بالرباط حوالي سنة 1927 وتضمنت وصفا لرقعة الشطرنج.
🟢 “الشطرنج الناطق” لشاعر الحمراء
ومن أغرب ما يورده البهاوي عمل للشاعر المعروف محمد بن إبراهيم.. شاعر الحمراء.. مدح به الباشا التهامي الكلاوي وأطلق عليه اسم:
“الشطرنج الناطق”
وتقوم فكرته على ملء بيوت رقعة الشطرنج الأربعة والستين بالكلمات.. ثم تكوين أبيات شعرية منها تختلف بحورها وقوافيها بحسب سير القطع الثمانية على الرقعة وفي مختلف الاتجاهات.
وهو نموذج واضح لمعرفة الأدباء بالشطرنج وتوظفيهم مفرداته ومعانيه في نصوصهم الشعرية.
🟢 كتاب مغربي في الشطرنج سنة 1926
ينتقل البهاوي بعد ذلك إلى التأليف المباشر في مجال الشطرنج .. ويذكر أن الرباط شهدت سنة 1926 طبع كتاب صغير لمصطفى بن محمد الغربي الرباطي بعنوان:
“زهر التاريخ في تعريف الشطرنج”
كما يشير إلى مخطوط لعبد السلام بن سودة بعنوان:
“الزهر من أكمامه في الشطرنج وأحكامه”
ويذكر أن صاحبه فرغ من تأليفه سنة 1924.
وتفتح هذه الإشارات مجالا مهما للبحث مستقبلا عن النسخ الأصلية لهذه الكتب والمخطوطات في الخزانات المغربية.
🟢 من الشطرنج العربي القديم إلى الشطرنج العصري
يفيد المقال بأن المغاربة ظلوا يمارسون الشطرنج حسب أصوله وطرائقه العربية القديمة.. إلى أن أدى احتكاكهم المتزايد بالأوروبيين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى تعرفهم على الشطرنج العصري وقواعده الجديدة.
وخلال فترة الحماية بدأت الأندية التي أسسها الأوروبيون في المغرب تستقطب بعض المغاربة.. فشاركوا في أنشطتها ومنافساتها.. وتمكن بعضهم من تحقيق نتائج بارزة.
🟢 أحمد بنيس يفوز في الجزائر سنة 1948
من أهم المعلومات التي يتضمنها المقال ما أورده عن اللاعب الفاسي أحمد بنيس.
فقد كتب البهاوي أن بنيس شارك في بطولة بالجزائر سنة 1948..
وأضاف أنه:
“انتزع رتبتها الأولى من أيدي جماعة من اللاعبين الفرنسيين”.
وهذه المعلومة لها أهمية خاصة لأنها توثق لنجاح لاعب مغربي خارج البلاد قبل الاستقلال بسنوات وانتصاره على منافسيه الأوروبيين ..وربما نتعرف مستقبلا على تفاصيل هذا التتويج بالبحث في الصحافة الجزائرية والفرنسية لسنة 1948 لتحديد اسم البطولة ومكانها ونتائجها الكاملة.

🟢 إدريس بنعبود في بطولات إسبانيا خلال الأربعينيات
ويشير البهاوي كذلك إلى الحضور المبكر لإدريس بنعبود خارج المغرب.. إذ يقول:
“وخلال الأربعينات شارك بطل تطوان إدريس ابن عبود في بطولات بإسبانيا وحظي هناك بالتقدير والإعجاب من لدن الشطرنجيين الإسبان.”
وهذه الإشارة أهميتها لأنها تؤكد أن مشاركة بنعبود في المنافسات الإسبانية د كانت جزءا من نشاطه الشطرنجي خلال الأربعينيات..وأنه انتزع احترام الشطرنجيين الأسبان بمستواه الرفيع ..وذلك قبل سنوات كثيرة من إنشاء جامعة الشطرنج المغربي


🟢 الحاج عمر المالقي يهزم بطلا أوروبيا في المامونية سنة 1950
ويكشف المقال عن واقعة أخرى مثيرة جرت بمدينة مراكش..لم يسبق لنا الاطلاع عليها .
فقد كان في مدينة سلا لاعب متمكن يدعى الحاج عمر المالقي.. ويذكر البهاوي أن سلطات الحماية استقدمت إلى المغرب بطلا فرنسيا أقام عرضا شطرنجيا سنة 1950 بقاعة فندق المامونية بمراكش.
وشارك في العرض عدد من الهواة.. من بينهم الحاج عمر المالقي مرتديا لباسه المغربي التقليدي.
ويقول المقال إن الصحافة نشرت آنذاك خبر انتصار اللاعب المغربي على البطل الأوروبي الزائر.
وهذه المعلومة ستفتح بابا جديدا للبحث للعثور على الخبر الصحفي الأصلي الذي قد يكشف لنا اسم اللاعب الفرنسي وتاريخ العرض وتفاصيله الدقيقة.
🟢 الشطرنج المغربي قبل الجامعة
هكذا حصلنا عبر مادة المرحوم البهاوي على كنز معرفي هائل وجديد ..حيث توضح مادة البهاوي أن تاريخ الشطرنج المغربي لا يبدأ مع تأسيس الجامعة في الستينيات.. بل يمتد إلى جذور ثقافية وأدبية أقدم بكثير.
فمن أحمد المنجور في العصر السعدي.. إلى المؤلفات والمنظومات الشعرية.. ثم ظهور لاعبين مغاربة ينافسون الأوروبيين في الأربعينيات والخمسينيات.. مما يقدم لنا صورة أوسع لتاريخ الشطرنج بالمغرب قبل الاستقلال.
بيد أن العديد من الإشارات الواردة في هذا المقال تحتاج إلى تنقيب متواصل .على أمل أن تقود إلى وثائق جديدة تضيف صفحات غير معروفة إلى ذاكرة الشطرنج المغربي.

🟢 مقال “معلمة المغرب”.. مجرد مختصر من عمل أكبر


وتجدر الإشارة إلى أن المادة المنشورة في “معلمة المغرب” تمثل جزءا ضئيلا مما أنجزه المرحوم محمد حسين السوسي البهاوي حول تاريخ الشطرنج المغربي.. فقد اشتغل لسنوات طويلة على جمع وتوثيق ذاكرة الشطرنج المغربي. وأعد عملا أوسع وأضخم مما رأيناه حول تاريخ الشطرنج بالمغرب.
وتشير الشهادات المتوفرة إلى أن هذا العمل الكبير ظل دون نشر رغم مطالبة الجامعة بطبعه.. ولم نعثر إلى حدود اليوم، على نسخة منه. ولذلك يمكن اعتبار مقال “معلمة المغرب” مجرد نافذة مختصرة على مشروع توثيقي كبير أنجزه البهاوي.. وقد يكون العثور على مخطوطه أو نسخة من هذا الكتاب مستقبلا من أهم الاكتشافات الممكنة في تاريخ الشطرنج المغربي.


🟢 المصدر
محمد حسن السوسي البهاوي.. “الشطرنج بالمغرب”.. “معلمة المغرب”.. الجزء 16.. جمعية المعلمة للتأليف والترجمة والنشر.. 2002.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من بوابة الشطرنج المغربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة