محمد اللمطي في شفشاون ..رحلة بين الشطرنج وجماليات الأماكن .

🔵 ارتبط الأستاذ محمد اللمطي بمدينة شفشاون ومهرجانها الدولي للشطرنج، الذي شارك فيه عدة مرات. وفي سنة 2014 خص المدينة بنص أدبي جميل نشره موقع ماروك إيشيك في جزأين: “في الطريق إلى شفشاون” و”يوم خاص في شفشاون”.. سجل فيه تفاصيل رحلته إلى المدينة، ووصف طبيعتها ومعالمها وأجواءها بأسلوب يجمع بين أدب الرحلة ودقة الملاحظة.
وفيما يلي ترجمة النص إلى العربية:

في الطريق إلى شفشاون
بقلم: محمد اللمطي
نشر على موقع ماروك إيشيك
الاثنين 1 شتنبر 2014
عند خروجي من محطة القطار بالقنيطرة، لفحت وجهي هبة من الريح الساخنة، فبددت دفعة واحدة إحساس الانتعاش الذي خلفه تكييف القطار. كانت سيارات الأجرة المتجهة إلى وزان تقف على بعد أمتار قليلة، وكان من حسن حظي أنني كنت الراكب السادس الذي كانوا ينتظرونه للانطلاق.
حتى الممر المحروس للسكة الحديدية، كانت أمامي مناظر طبيعية غنية بالألوان تتوالى تباعا. في السهول الواسعة، كانت آخر بقايا الحصاد، من سيقان وقش أصفر لامع، تتوهج تحت أشعة الشمس وتشكل لوحة متقدة. وفي بعض الأماكن كانت رزم من العشب المجفف متناثرة، أو مكدسة أحيانا في أكوام تتجاوز ارتفاع منزل ريفي.
أما التبن الناتج عن “الدراس”، أي فصل الحبوب بواسطة الخيول، فكان يجمع في أكوام كبيرة مستديرة القمم ومغطاة بطبقة من التراب الطيني. وهي عادة ما زالت مستمرة، لكنها تتجه نحو الاختفاء بسبب الاعتماد شبه العام على آلات الحصاد والدرس.
وفي كل المنطقة المسقية الممتدة إلى سوق الأربعاء، كانت حقول الذرة والنباتات العلفية تنشر خضرتها، في تناقض واضح مع اللون الأصفر الباهت للأعشاب التي أحرقتها الشمس في الأراضي البور. وكانت بعض ثمار الشمام الكناري، “المهايا “، لا تزال ملقاة في البساتين، وقد بلغت في نهاية الصيف آخر مراحل نضجها.
وفي حقول أخرى جففت الشمس زهور عباد الشمس، فحرمتها من محاكاة مسارها البطيء الأبدي. وفي كل مكان كانت تظهر قنوات الري مرفوعة عدة أمتار عن سطح الأرض بواسطة أعمدة أسطوانية. وكانت مياه نهري سبو وبهت تغذيها جيدا، وإن كان الأخير، المتضرر بشدة من الجفاف، لا يساهم إلا بقدر محدود.

مزفرون كان بداية لسلسلة متواصلة من المجاري المائية. وبعد تجاوز طريق على اليسار يؤدي إلى عرباوة، كان يمكن رؤية تجمعات من نخيل الدوم وسط الغابة الكثيفة.
وتنتج هذه النخيلات القزمة ثمرة برية غير معروفة كثيرا تسمى “لغاز”. تكون مخبأة في قلب النخلة، في عناقيد، لها نواة كبيرة تحيط بها طبقة طرية وعصيرية. كما أن قلب هذا النخيل نفسه ذو مذاق طيب جدا.
في “المحطة الطرقية” بوزان، لم يكن حظي مماثلا لما كان عليه في القنيطرة، إذ لم يكن هناك سوى مسافر واحد متجه إلى شفشاون. ووجدت صعوبة كبيرة في العثور على زاوية ضيقة مظللة تحميني من الحر الخانق.
وكانت هناك “قاعة انتظار” صغيرة جدا، عبارة عن جدارين وجانبين مفتوحين وسقف صغير من الإسمنت، وهي الملجأ الوحيد للمسافرين الذين يتكدسون فيها، يترقبون بفارغ الصبر وسيلة “الخلاص”.
وفي الجهة المقابلة للمحطة، بدت البيوت وكأنها تتدفق على سفح التل، متنافسة مع أشجار الزيتون القليلة التي لا تزال تفصلها عن القمة. وبعد انتظار ثقيل، انطلقت سيارة الأجرة أخيرا.
كان الطريق يلتف بين التلال ويعبر في كل مرة مجرى مائيا. وأحيانا كانت لافتة فوق الجسر تشير إلى الاسم نفسه أكثر من مرة، مثل “زندولة” التي تكرر اسمها ثلاث مرات.
كان النهر يشق طريقه أسفل التلال، متبعا الانحدارات وإكراهات التضاريس، ثم يظهر على المستوى نفسه موازيا للطريق على بعد مئات الأمتار.
وفي قاع الوادي، كانت برك ماء متناثرة لا تزال تقاوم هجمات الشمس. وكانت شجيرات الدفلى ذات الأزهار الوردية تشكل باقات ضخمة وتعيد الحياة والجمال إلى النهر المتقطع.
وعلى السفوح المظللة للتلال الكبرى، كانت أنواع مختلفة من الأشجار الصنوبرية تجاور الأوكاليبتوس والبلوط الفليني، وتلقي بظلالها على عدد هائل من الشجيرات والنباتات البرية.
وفي حر نهاية الصيف، كان يظهر أحيانا طائر يخفق بجناحيه قبل أن يختفي بسرعة داخل برودة الأغصان.
أما على السفوح المشمسة، فكانت الأشجار الغارقة في الضوء تبدو كما لو دخلت في نوم عميق، لا تهب نسمة واحدة لتعكر سكون الأوراق والأغصان الجامدة.
وتوالت الأنهار والغابات: تيمرت، سيدي مغار، القوب، اللوكوس الكبير… ومع ذلك لم تفقد الطبيعة المتدفقة شيئا من روعتها.
كنت مستغرقا في سحر هذه المناظر الخلابة، ولا تنتشلني من دهشتي سوى شذرات قليلة من أحاديث الركاب تلتقطها أذناي بين الحين والآخر.
وفي بعض الأحيان، كان المحيط يبدو وكأنه يتغير، إذ يصبح تدخل الإنسان وأثره أكثر وضوحا. فعلى جانبي الطريق امتدت حقول الزيتون إلى ما لا نهاية.
وكانت تظهر من حين إلى آخر، على حافة الطريق، بعض المعاصر التقليدية لزيت الزيتون، تتقدم تجمعات صغيرة من المساكن، بعضها مبني بالإسمنت، وبعضها بالطين المدكوك، وبعضها الآخر من القش المجدول على القصب، وهي مبان تستخدم غالبا مطابخ في الأرياف.
وكانت أفران تقليدية مخروطية ذات قمم مستديرة، مصنوعة من الطين، تقف بجوار المنازل. كما كانت الأدوات البدائية والمحاريث الخشبية ملقاة فوق الأرض في انتظار الأمطار الأولى.
وغالبا ما كانت البيوت محاطة بأشجار تين ضخمة تشكل ملاجئ مثالية لا يستطيع أي شعاع من الشمس اختراقها.
وعندما رأيت اسم “سفلاو”، لم أستطع منع نفسي من الابتسام. لا بد أن اسم النهر يحمل معنى نبيلا في الثقافة الشعبية المحلية، لكن إذا قرئ ضمن خليط لغوي قسري، بدا كما لو أنه يعني حرفيا: “لقد صفروا”، أي فعل فرنسي صرف بالعربية!
ومثل هذه التعابير المركبة، وهي ألفاظ هجينة خشنة، تستخدم عرضا، مثل “ترينينا” بمعنى “تدربنا”، و”نديفولاو” بمعنى “نرفه عن أنفسنا”.
إنها انحرافات لغوية طريفة لا تزال هامشية وتثير الابتسام، لكنها قد تتحول إلى استعمالات شائعة ضمن مشروع لغوي عزيز على البعض يقوم على الدارجة.
وسيكون ذلك نتيجة منطقية لرصيد ثقافي فرانكفوني ضمني تحمله اللغة المتداولة يوميا. ولن توجد حجة أفضل لدفع اللغة الأم الأكثر تنظيما إلى غياهب النسيان، وهي اللغة التي تحمل ماضيا مجيدا وأملا في انفتاح أفضل على ثقافة تزداد عولمة يوما بعد يوم.
بعد تجاوز تجمع الدردارة، وبعد عدة منعطفات، ظهرت شفشاون في الأفق.
كانت “الزهرة” متشبثة بسفح تل كبير، تبرز بألف بهاء، وتحيط بها تلتان كبيرتان أخريان كحارسين يسهران على هدوء المدينة.
وفوق قمة التل كان فندق يشرف على المدينة، وخلفه الكتل الصخرية الضخمة للجبل.
يتبع: يوم خاص في شفشاون

▪️▪️▪️▪️
يوم خاص في شفشاون
بقلم: محمد اللمطي
نشر على موقع ماروك إيشيك
الاثنين 8 شتنبر 2014
في المساء، قررت القيام بجولة ليلية في اتجاه ساحة وطاء الحمام.
كان باب العين، وهو باب ضخم ذو قوس نصف دائري، يعلن بداية المدينة القديمة. وعند المدخل كان الباعة المتجولون يعرضون على عربات صغيرة مجموعة من الأدوات والهدايا التذكارية: ساعات، أساور، عقود، خواتم، أقراط…
وفي عمق سور المدينة، كانت سقاية تقدم للمارة ماء باردا نابعا من العين. وقد كان من العملي تزويدها بصنبور من أجل حسن تدبير هذه الثروة الثمينة.
وكان الماء شديد البرودة بحيث لا يمكن شربه إلا على رشفات صغيرة، باستعمال واحد من كأسين موضوعين باستمرار في خدمة آلاف الزوار.
كان زقاق السيدة الحرة المتعرج المؤدي إلى وطاء الحمام يعج بحشد من الناس يتحرك صعودا ونزولا دون توقف.
وعلى اليمين، كانت نساء جالسات على مقاعد صغيرة بمحاذاة الجدار يعرضن دلاء مملوءة بالزيتون المنقوع في الماء، تظهر بينها أحيانا قطع من الليمون المرقد.
وكانت دلاء أخرى مملوءة بثمار البرقوق ذات اللون البني أو الأخضر، وهي ثمار صلبة عند لمسها وتبدو غير ناضجة، لكنها في الحقيقة لذيذة المذاق.
وأبعد قليلا، كان رجل يعرض أجبانا من حليب الماعز، ملفوفة في غلاف رقيق يسمح برؤية لونها الأبيض الجميل.
وبعد ذلك مباشرة، توالت على جانبي الزقاق محلات تعرض سلعا مختلفة غنية بالألوان.
وفي بعض المحلات الضيقة تراكمت منتجات الصناعة التقليدية المحلية.
وكانت هناك مناديل كبيرة مخططة بالأبيض والأحمر، معدة للطي ثم الربط حول أجساد النساء من الخصر حتى الكاحلين.
وعادة يكتمل هذا اللباس بارتداء “الشاشية” ذات الحواف العريضة جدا، وهي أشبه بقبعة السومبريرو ومزينة بخيوط صوف ملونة.
وكانت هناك مناديل أخرى أصغر حجما ذات خطوط بلونين، بخلفية بيضاء مزينة بخيوط من الصوف الأحمر والأصفر والبرتقالي والأزرق أو الأخضر، وتنتهي من الطرفين بحبال مجدولة. وتستخدم هذه المناديل كمناديل للمائدة.
وفي بعض المحلات، كانت توجد منتجات من أصل إيبيري إلى جانب منتجات مصنعة محليا.
وفي بعض النقاط، كان الممر يتقاطع مع أزقة أخرى صاعدة أو نازلة.
توقفت أمام أحدها لأتأمل منزلا تعكس تركيبته المعمارية البسيطة، ضمن توليفة ذكية، ذوقا رفيعا موروثا عن قرون من التمازج الثقافي.
كانت الواجهة شديدة البياض، مزينة بعناية بطلاء أزرق سماوي. وكان الباب الخشبي الخام مطليا هو الآخر بالأزرق ومنسجما تماما مع بقية البناء.
وكانت درجات حجرية تؤدي إلى الباب، وعلى حافتها جدار صغير ينزل في خط متعرج.
ويتوسط الواجهة أفقيا بروز صغير يبلغ عرضه نحو ثلاثين سنتيمترا ومغطى بالقرميد الأحمر.
وعلى طول الجدار الصغير، كانت سلسلة من أواني النباتات تعرض تجمعات من الزهور والنباتات.
وفي نهايته العليا، يفضي زقاق السيدة الحرة إلى الساحة الكبرى.
تشكل ساحة وطاء الحمام مركز التقاء أربعة أزقة.
وفي وسط أحدها تقف شجرة زيتون عتيقة فقدت تاجها، لكنها لا تزال تقاوم عوامل الزمن محاصرة بين الحجر والإسمنت.
كان جذعها، وكأنه أصيب بصاعقة، مثقوبا بفتحة كبيرة، لكنه لا يزال يحمل بكبرياء وفخامة أغصانا وفروعا صغيرة لم يبق عليها سوى عدد قليل من الأوراق.
وقال لي أحد سكان المكان:
“إنها معلمة من معالم شفشاون، ومن أقدم أشجار الزيتون فيها، ويزيد عمرها على ثلاثمائة وخمسين سنة.”
وعلى الجانب الأيسر من الساحة، تصطف سلسلة من المقاهي والمطاعم ذات الشرفات الممتدة فوق الطريق.
وفي الجهة المقابلة ترتفع القصبة.
وفوق سورها تقف الشرفات الدفاعية، التي غطت الأعشاب البرية بعض أجزائها، شاهدة على حقبة كانت فيها المدينة مهددة بالغزوات الأجنبية.
وبفضل حماية الجبل، كان الحراس يستطيعون، من أعلى الأسوار، تركيز مراقبتهم وانتباههم على مختلف التلال الواقعة عند سفح الجبل. ولا شك أن الرؤية كانت أوضح في تلك الأزمنة البعيدة.
وفي وسط الساحة تنتصب شجرة أرز جميلة، رمز نفيس للغابة المحيطة، تحيط بها دائرة مسيجة.


وفي داخل القصبة، تمد شجرتان عملاقتان من البلوط الأخضر أوراقهما الكثيفة فوق الباب الكبير ذي القوس المدبب.
وعلى يسار مدخل القصبة، تعانق شجرة تين ضخمة بجذورها وأغصانها العتيقة جزءا من السور، وتشكل مساحة واسعة مظلمة بعيدة عن الضوء الذي يغمر الساحة.
وعلى يمين القصبة، ترتفع مئذنة المسجد الأعظم شامخة، تشرف من عل على الساحة بأكملها.
اكتفيت بكأس كبير من الشاي المحشو بالنعناع الطازج، مضبوط المقدار ومحضر بالطريقة التي يتقنها أهل شفشاون.
وللساحة نصيبها أيضا من الفرجة والترفيه.
كان هناك ثنائي من موسيقيين مسنين، أشبه بالجوالين، يعزفان على الكمان والبندير، ويتنقلان بين الطاولات وهما يرددان أغان ذات إيقاع جميل، تتخللها مشاهد هزلية وحركات وإيماءات كوميدية.
وعندما انتقلا لمواصلة جولتهما المرحة في الطرف الآخر من الساحة، لم يبق من حضورهما سوى صدى خافت، ثم عم الصمت من جديد، لا يقطعه سوى طلبات بعض الزبائن.
وفجأة دوى، على الأرجح من جهاز تسجيل، صوت شجي دافئ وموسيقي.
كان المعلم العروسي يغني على إيقاع طقطوقة جبلية، أنشودة للجبل تسكنها صورة المرأة في كل تفاصيلها:
“يمّا، يمّا، أليلا…”
بدأت الأغنية بموال طويل شجي، ثم انتهت بإيقاع سريع ومتقطع. تعاقب الفرح بعد الحزن، واللقاء بعد الحنين.
وبعد نهاية الأغنية، وبعد لحظات طويلة من الاسترخاء والصفاء، سلكت طريق العودة.
وفي منتصف شارع سيدي عبد الحميد، توقفت قرب شجرة دلب ضخمة، وألقيت نظرة طويلة مفعمة بالإعجاب على المدينة التي بدت غارقة في نعاسها، تتناثر فوقها الأضواء القوية لمصابيح الشوارع.
وفي البعيد، كان الهلال يضيء قمم التلال العالية التي ترسم خطا طويلا متقطعا.
وعندما اختفى الهلال، لم يعد يظهر سوى عدد قليل من الأضواء المتناثرة تتلألأ مثل النجوم، وكأن السماء تمتد حتى أقدام التلال.
وعندما التفت إلى الخلف، رأيت في البعيد الكتلة المظلمة للجبل.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من بوابة الشطرنج المغربي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة