نشر يوم السبت 17 يناير 2015
بقلم: محمد مبارك ريان
في يوم الأحد 21 دجنبر 2014، لم يحضر مولاي أحمد الريسوني موعده الأسبوعي مع الناشئين الذين تؤطرهم الجمعية المغربية بتطوان داخل نادي الاتحاد، أحد أبرز معاقل الشطرنج في شمال المغرب منذ أجيال.
انتظره محمد شقرون وأصدقاؤه بقلق طيلة الصباح.. لكن مولاي أحمد كان قد توفي بهدوء في منزله عن عمر 90 سنة، ملبيا موعده مع الله تعالى.. رحمه الله رحمة واسعة.
إذا كان عدد قليل من لاعبي الشطرنج المغاربة أو رؤساء الأندية أو حتى الأطر الجامعية الحالية يعرفون مولاي أحمد الريسوني، فذلك لأنه لم يشارك قط، مثلا، في بطولة وطنية فردية، ولم ينافس في أهم الدوريات التي نظمت في مختلف أنحاء البلاد، كما أنه لم يسع إلى أي منصب تسييري.
صحيح أنه شارك في دورة أو دورتين من دوريات المدن بالعرائش التي ميزت تاريخ الشطرنج المغربي خلال الستينيات، كما رافق فريق هيئة تطوان في بعض اللقاءات بين المدن التي شكلت مقدمة لنظام البطولة الوطنية الحالية للفرق، والتي انطلقت أول دورة منها سنة 1972.
لكن مولاي أحمد كان رجلا هادئا، ينظر إلى الشطرنج من جوانبه الترفيهية والفنية والتربوية.
وكان أحيانا يعرض بفخر، أو على سبيل المزاح، «بطاقته الجامعية رقم 1»، لأنه كان أول لاعب مغربي يسجل في اللائحة الجديدة للاعبين التي أعدتها الجامعة الملكية المغربية للشطرنج سنة 1975، بعد انتقال مقرها إلى تطوان تحت إشراف المرحوم مصطفى البقالي.
وكان معروفا في تلك المرحلة بشغفه الكبير بالشطرنج، وبالأخص بمساهمته في تعليم اللعبة وتأطير عدد كبير من التلاميذ داخل مؤسسة جابر بن حيان خلال السبعينيات.
وكان ذلك فرصة حقيقية للشباب الفضولي الراغب في اكتشاف متعة ملك الألعاب، في فترة كانت فيها الرقع والكتب وحتى أماكن ممارسة الشطرنج نادرة.
لقد كان رائدا حقيقيا في هذا المجال، من خلال اهتمامه بنشاط تربوي ما زلنا نعاني حتى اليوم من نقص كبير فيه.
أتذكر جيدا سنة 1973، عندما كنت أتابع دراستي بالثانوية التقنية الجديدة، التي أصبحت اليوم ثانوية الإمام الغزالي بتطوان. كنت مهتما بلعبة الشطرنج، وكان أصدقائي بثانوية جابر يتحدثون لي عن شخص اسمه مولاي أحمد الريسوني، كان يخصص حصصا منتظمة للتعريف باللعبة وتعليمها داخل القسم الداخلي.
وكان يقدم لهم تركيبات جميلة ومسائل فنية، ويمنح الحلويات والهدايا المختلفة لأفضل من يحل تلك المسائل.
وفي السنة التالية التحقت بدوري بالمؤسسة نفسها. لم أسجل في دروس مولاي أحمد، لكنني شاركت في الدوري السنوي الذي كان ينظمه.
فاز صديقي محمد شقرون بالدورة الأولى سنة 1974.. وفزت أنا بالدورة الثانية سنة 1975، وحصلت على كأس صغيرة ومجموعة كبيرة من الكتب.
احتفظت بانطباع جيد عن التنظيم التقني لذلك الدوري الصغير وأجوائه الودية، وكنت فخورا بأن أصبح «بطل الثانوية».
ومثل هذه المبادرات هي التي مهدت الطريق لأنشطة أكبر، وفي مقدمتها السلسلة الرائعة للبطولات بين المؤسسات التعليمية بتطوان، التي انطلقت ابتداء من سنة 1978 تحت إشراف وتوجيه المرحوم محمد حسين البهاوي.
وفي أواخر سنة 1978 بدأت مساري المهني في BGA بتطوان، وأصبحت عضوا مواظبا في نادي الاتحاد، مقر الجامعة الملكية المغربية للشطرنج.
وكنت آنذاك لاعبا معروفا إلى حد ما على المستوى الوطني.
وقد أتيحت لي فرصة الاحتكاك بعدد كبير من عشاق الشطرنج الذين كانوا يستمتعون بقضاء ساعات في اللعب وتبادل النكات والتعليقات وأحيانا المشادات.
وكان مولاي أحمد الريسوني من أكثر الشخصيات لفتا للانتباه، بلباسه التقليدي الذي لا يتغير وبمزاجه المرح أثناء المباريات.
وكان شعاره ومبدأه الذي لا يتنازل عنه:
«Pieza Tocada, Pieza Jugada»
أي:
«القطعة التي تُلمس يجب أن تُلعب».
وكان يطبق ذلك مهما كانت طبيعة المباراة.
ولا بد من الاعتراف بأن هذه الصرامة كانت مفيدة جدا للمبتدئين، إذ كانت تعلمهم أن الشطرنج لعبة عقلية وليست ممارسة يدوية.
تبقى بعض المشاهد راسخة في الذاكرة.
خلال الثمانينيات، كان أستاذ جامعي أمريكي متقاعد من ولاية أوهايو يدعى والتر ميدن Walter Meiden، عاش بين 1907 و1993، يقضي عطلته الصيفية بانتظام في تطوان.
وكان مؤلفا مشاركا مع ماكس إيوي لكتابين شهيرين هما «الأستاذ ضد الهاوي» و«الهاوي يصبح أستاذا»، وقد ترجما إلى الفرنسية.
وكان هذا المثقف الشطرنجي صديقا شخصيا لإيوي وبوريس سباسكي وغيرهما.
وكان حضوره اليومي إلى نادي الاتحاد ومبارياته الخاصة والمثيرة مع مولاي أحمد يتحولان إلى طقس متكرر ومشهد ممتع.
وعندما كان مولاي أحمد يفوز عليه في مباراتين متتاليتين، كان يقول له بمرح:
«أمريكا صفر.. المغرب اثنان!»
وهو ما كان يسبب حرج ميدن وأحيانا يثير ضحك الحاضرين.
ولأسباب شخصية، اضطر مولاي أحمد الريسوني إلى توقيف اشتراكه في نادي الاتحاد والابتعاد فترة عن هوايته.
ومع ذلك، ظل حاضرا تقريبا في جميع المنافسات الشطرنجية التي كانت تقام في تطوان والمنطقة، خصوصا البطولات والدوريات المدرسية.
وفي كل مرة كان يستعيد متعة اللعب مع الجيل الجديد، ويقدم لهم النصائح، ويشرح لهم فخاخ الافتتاح وبعض المسائل الصغيرة، دون أن يتخلى أبدا عن شعاره العالمي:
«Pieza Tocada, Pieza Jugada»
«القطعة التي تُلمس يجب أن تُلعب».
***
المصدر:
محمد مبارك ريان.. «Moulay Ahmed Raisuni… In Memoriam».. Maroc-Echecs.com.. 17 يناير 2015.. محفوظ ضمن أرشيف موقع Onkoud.net.
النص منقول إلى العربية.

أضف تعليق