▪️ تقديم :
يعد الأستاذ الدولي محمد مبارك ريان واحدا من أبرز الشخصيات في تاريخ الشطرنج المغربي، فقد جمع خلال مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن بين التتويج الفردي، والتمثيل الدولي، وصناعة أمجاد الأندية، والعمل الجمعوي، وتنظيم المهرجانات، والكتابة والتوثيق.
ولا تكمن أهمية ريان في كونه بطلا سابقا فحسب، بل في تعدد أدواره واستمرار حضوره. فقد كان لاعبا من الصف الأول خلال نهاية السبعينيات والثمانينيات، وأول مغربي يحصل على لقب أستاذ دولي، وأحد مؤسسي جمعية ألوان فنية بشفشاون، ثم رئيسا لها ومديرا لمهرجانها الدولي، فضلا عن كونه كاتبا ومثقفا ترك أرشيفا مهما في موقع «ماروك إشيك».
▪️مسيرة رياضية تختصرها الأرقام.
يضم سجل محمد مبارك ريان إنجازات تجعله ضمن الصف الأول من أبطال الشطرنج المغربي تاريخيا:
لقبان لبطولة المغرب الفردية، وثلاث مرات وصيفا للبطل، ولقب أستاذ دولي سنة 1982، وثلاث مشاركات في الأولمبياد العالمي، وست بطولات وطنية للأندية، وكأسا عرش مع جمعية ألوان فنية.
وإلى جانب هذه الألقاب، بلغ تصنيفه الدولي 2250 نقطة في لائحة الاتحاد الدولي لشهر يناير 1987، وهو رقم مهم جدا بمقاييس تلك المرحلة، حين كانت البطولات المصنفة وفرص الاحتكاك الدولي محدودة بالنسبة إلى اللاعبين المغاربة.
▪️بطل المغرب مرتين ووصيفه ثلاث مرات
بلغ محمد مبارك ريان قمة الشطرنج الوطني في بداية الثمانينيات، فتوج لأول مرة بطلا للمغرب الفردي سنة 1982 بمدينة الدار البيضاء، ثم استعاد اللقب سنة 1985 بمدينة مراكش.
ولم يكن التتويجان إنجازين منفصلين، بل جاءا ضمن فترة طويلة من المنافسة على الصدارة؛ فقد حل وصيفا لبطل المغرب ثلاث مرات، خلال سنوات 1980 و1981 و1986. وبذلك أنهى خمس نسخ من البطولة الوطنية في المركز الأول أو الثاني خلال سبع سنوات فقط، وهو ما يعكس ثبات مستواه وحضوره المستمر في قمة الشطرنج المغربي.
كما أن لقبه الأول سنة 1982 اكتسب قيمة إضافية، لأنه تزامن مع تحقيق إنجاز دولي غير مسبوق في تاريخ اللعبة بالمغرب.
▪️أول مغربي يحصل على لقب أستاذ دولي.
حصل محمد مبارك ريان سنة 1982 على لقب أستاذ دولي، ليصبح أول لاعب مغربي يحقق هذا الإنجاز.
كان الوصول إلى هذا اللقب في تلك المرحلة بالغ الصعوبة، في ظل قلة البطولات الدولية المفتوحة، وندرة دوريات المعايير، وضعف إمكانات السفر والتدريب، وعدم توفر قواعد البيانات والبرامج الإلكترونية التي أصبحت اليوم جزءا أساسيا من إعداد اللاعبين.
ولذلك لم يكن لقب الأستاذ الدولي مجرد إضافة رمزية إلى سيرته، بل كان اختراقا تاريخيا فتح الطريق أمام أجيال لاحقة. وظل ريان وحده يحمل هذا اللقب مغربيا إلى أن حصل شقيقه قاسم ريان عليه سنة 1985، ثم تبعتهما أسماء أخرى خلال العقود اللاحقة.
▪️ثلاث مشاركات في الأولمبياد العالمي.
مثل محمد مبارك ريان المنتخب المغربي في ثلاث دورات من الأولمبياد العالمي:
دبي 1986، وسالونيك 1988، ونوفي ساد 1990.
وخاض في مجموع مشاركاته 32 مباراة، حقق خلالها 12,5 نقطة، موزعة على ستة انتصارات و13 تعادلا و13 هزيمة. وكانت مشاركته الأولى في أولمبياد دبي هي الأقوى والأكثر تميزا.
لعب ريان في دبي على الرقعة الثانية، وحقق 8 نقاط من 13 مباراة، بعد أربعة انتصارات وثمانية تعادلات وهزيمة واحدة فقط، بنسبة نجاح بلغت نحو 61,5 في المائة.
وكان بذلك صاحب أعلى رصيد من النقاط داخل المنتخب المغربي في تلك الدورة، متقدما على كمال السقلي الذي حقق سبع نقاط، ومحمد عربوش الذي سجل 4,5 نقاط، وخالد الشرفي الذي حقق 4,5 نقاط. وتظهر هذه النتيجة قدرة ريان على المحافظة على مستوى ثابت طوال منافسة طويلة أمام لاعبين ينتمون إلى مدارس شطرنجية مختلفة.
وفي أولمبياد سالونيك سنة 1988 لعب مجددا على الرقعة الثانية، بينما شارك في نوفي ساد سنة 1990 ضمن اللاعبين الاحتياطيين. ورغم تفاوت نتائجه بين دورة وأخرى، فإن المشاركة في ثلاث أولمبيادات خلال أربع سنوات تؤكد مكانته داخل المنتخب الوطني وجيل النخبة المغربية في تلك المرحلة.
▪️أحد صناع العصر الذهبي لجمعية ألوان فنية.
لا يمكن فصل المسيرة الفردية لمحمد مبارك ريان عن تاريخ جمعية ألوان فنية للشطرنج بشفشاون، التي كان من مؤسسيها سنة 1977، قبل أن يتولى رئاستها في مراحل مختلفة.
تحولت الجمعية خلال سنوات قليلة من ناد في مدينة صغيرة إلى قوة شطرنجية وطنية حقيقية، واستطاعت منافسة أندية المدن الكبرى والسيطرة على بطولة المغرب للأندية لسنوات.
وتوجت ألوان فنية بالبطولة الوطنية للأندية ست مرات:
موسم 1978-1979، ثم سنوات 1980 و1981، وموسم 1982-1983، وسنتي 1984 و1985.
كما أحرزت كأس العرش للشطرنج سنتي 1983 و1984، لتجمع خلال فترة قصيرة بين ثمانية ألقاب وطنية في منافسات الفرق.
وكان محمد مبارك ريان، إلى جانب شقيقه الأستاذ الدولي قاسم ريان وبقية لاعبي الجمعية، من أعمدة ذلك الفريق الذهبي. وقد اجتمع داخل النادي بطلا المغرب الفرديان اللذان أحرزهما ريان، ولقبا الأستاذ الدولي للشقيقين، والبطولات الوطنية الست للأندية، وكأسا العرش.
وتكشف هذه الحصيلة أن ألوان فنية لم تكن مجرد جمعية نشيطة، بل كانت إحدى أنجح المدارس في تاريخ الشطرنج المغربي، وأن ريان كان جزءا أساسيا من نجاحها لاعبا ومسيرا ومؤسسا.
▪️من كأس شفشاون إلى مهرجان دولي
امتد دور محمد مبارك ريان من اللعب والتتويج إلى التنظيم، فكان من المشرفين على الدورات الأولى لتظاهرة شفشاون الشطرنجية، التي انطلقت في صورة كأس شفشاون قبل أن تتطور إلى مهرجان دولي.
ويسجل أرشيف جمعية ألوان فنية تنظيم دورات خلال سنتي 1983 و1984، ثم سنة 1994، قبل أن يصبح الموعد شبه سنوي من سنة 2005 إلى سنة 2019. وقد ساهم هذا الاستمرار في ربط اسم شفشاون بالشطرنج، وجعل المدينة تستقبل أجيالا متعاقبة من اللاعبين المغاربة والأجانب.
وفي الدورة السابعة عشرة سنة 2018، كان محمد مبارك ريان رئيسا لجمعية ألوان فنية ومديرا للمهرجان، الذي استقطب أكثر من 270 لاعبا ولاعبة قدموا من مختلف مناطق المغرب ومن نحو 15 دولة.
ولم يقتصر المهرجان على البطولة الكلاسيكية، بل ضم مسابقات في الشطرنج السريع والخاطف، ومباريات استعراضية جماعية، وأنشطة في ساحة وطاء الحمام، ولقاءات قربت اللعبة من الأطفال والسكان والزوار.
ومن المحطات المميزة خلال دورة 2018 تنظيم مباراة متزامنة واجه خلالها بطل إفريقيا السابق هشام عبد الرحمن نحو 70 لاعبا في وقت واحد، إضافة إلى محاولة تحقيق رقم إفريقي في اللعب الجماعي بساحة المدينة.
واستمر حضور ريان داخل المهرجان في الدورات الحديثة، سواء في التنظيم أو التنسيق التقني. ففي الدورة الحادية والعشرين سنة 2025، أدرج اسمه ضمن لجنة التنظيم بصفته مسؤولا عن التنسيق التقني، وهو ما يؤكد أن علاقته بالمهرجان لم تكن مرحلة عابرة، بل مشروعا استمر في خدمته على مدى عقود.
▪️استمرارية فوق الرقعة.
من أبرز خصائص مسيرة محمد مبارك ريان أنه لم يتحول إلى لاعب سابق يكتفي باستعادة ذكريات البطولات القديمة، بل حافظ على علاقته بالمنافسة وواصل المشاركة في الدوريات المصنفة والسريعة والخاطفة.
وفي سنة 2022 توج بجائزة فئة الرواد لأكثر من 65 سنة في النسخة الأولى لكأس مدينة مراكش للشطرنج.
كما سجل في السنوات الأخيرة نتائج تؤكد احتفاظه بخبرته وقوته التنافسية. ففي اللقاءات الدولية للشطرنج الفرنكوفوني المنظمة بمراكش في دجنبر 2025، حقق انتصارين بارزين على لاعبين يفوق تصنيف كل واحد منهما 2200 نقطة.
فقد تغلب على البولندي ميتيك باكالارز، المصنف آنذاك في حدود 2204 نقاط، ثم فاز على السويسري فابريتسيو باتوتسو، المصنف 2254 نقطة والحامل للقب أستاذ اتحادي.
وتكتسب هذه النتائج قيمة خاصة بالنظر إلى أن ريان حققها بعد بلوغه نحو السبعين، وأمام منافسين ما زالوا يحملون تصنيفات دولية مرتفعة. وهي تؤكد أن الثقافة الشطرنجية والخبرة المتراكمة يمكنهما تعويض فارق السن والنشاط التنافسي.
▪️مكون ومؤطر للأجيال
لم يحتفظ محمد مبارك ريان بمعارفه لنفسه، بل شارك في تأطير الأطفال واللاعبين الشباب داخل شفشاون وخارجها.
وفي سنة 2014 ساهم، إلى جانب الأستاذ الدولي قاسم ريان والحكم الدولي عبد الحفيظ العمري، في تأطير دورة لمدرسة بطل العالم أناتولي كاربوف بمدينة شفشاون، استفاد منها نحو 40 طفلا من التمارين والمحاضرات والأنشطة التدريبية.
وكان ينظر إلى تكوين الناشئين باعتباره جزءا من رسالة النادي والمهرجان، لا نشاطا ثانويا. لذلك ارتبطت تظاهرات ألوان فنية دائما بالفئات العمرية وبإخراج الشطرنج إلى الساحات والفضاءات الثقافية والتربوية.
▪️تكوين مهني وثقافي أغنى تجربته
إلى جانب مساره الرياضي، كان محمد مبارك ريان خريج المدرسة الوطنية لعلوم الإعلام، كما سبق له تحمل مسؤولية جهوية بوزارة الثقافة.
وقد انعكس هذا التكوين على طريقة عمله؛ فتعامل مع الشطرنج باعتباره رياضة وثقافة وذاكرة ومجالا للتربية، وليس مجرد تنافس بين لاعبين.
وساعدته خبرته المهنية على التواصل مع المؤسسات، وتنظيم المهرجانات، وإعداد الملفات، وكتابة المقالات، وحفظ جزء مهم من تاريخ اللعبة وشخصياتها.
▪️كاتب في موقع ماروك إشيك.
برز البعد الثقافي في شخصية محمد مبارك ريان من خلال مساهماته في موقع ماروك إشيك – مغرب شطرنج، الذي كان من أهم المنصات الشطرنجية المغربية منذ تأسيسه سنة 2005، وارتبط اسمه بالأستاذ الدولي عبد العزيز عنقود والمرحوم طارق رغيوة.
كتب ريان في الموقع خلال الفترة الممتدة من 2005 إلى 2017، وقدم مقالات عن تاريخ الشطرنج المغربي، والبطولات الوطنية، والتصنيف، والأندية، وشخصيات اللعبة، إضافة إلى تقارير وذكريات مرتبطة بتجربته داخل المنتخب وجمعية ألوان فنية.
ومن أشهر فضاءاته الكتابية زاوية «الإبرة والهشيم»، التي جمع فيها بين اللغة الأدبية والنقد والتحليل والسخرية الهادئة.
كما كتب شهادات عن عدد من الرواد واللاعبين، من بينهم كمال السقلي، ومصطفى البقالي، وإدريس بنعبود، ومحمد الحسين البهاوي وغيرهم. وتكتسب هذه المقالات قيمة تاريخية؛ لأن صاحبها لم يكن يكتب عن مرحلة قرأ عنها فقط، بل عن أشخاص عرفهم وبطولات شارك فيها ومؤسسات ساهم في بنائها.
▪️نظرته إلى إصلاح الجامعة
خصص محمد مبارك ريان جانبا من كتاباته للتفكير في إصلاح طرق تدبير الشطرنج المغربي.
وكان يرى أن المشكلة لا تكمن دائما في غياب القوانين، بل في عدم تطبيقها بصورة سليمة، وأن تطور اللعبة يقتضي احترام الأندية والكفاءات، وضمان التنافس الشريف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية مصالح اللاعبين والمنتخب الوطني والناشئين.
وتميزت رؤيته بأنها صادرة عن لاعب بطل ومسير ومنظم عاش مختلف جوانب الشطرنج المغربي، ولذلك لم يكن الإصلاح لديه مجرد شعار، بل ضرورة لضمان استمرار الأنشطة وتكوين المواهب وتمثيل المغرب بصورة تليق بتاريخه.
▪️شخصية شطرنجية متكاملة
يصعب اختزال محمد مبارك ريان في صفة واحدة.
فهو أول أستاذ دولي مغربي، وبطل المغرب مرتين، ووصيفه ثلاث مرات، وصاحب ثلاث مشاركات أولمبية.
وهو أحد أعمدة فريق ألوان فنية الذي أحرز ست بطولات وطنية للأندية وكأسي عرش.
وهو مؤسس ومسير ساهم في بناء واحدة من أعرق الجمعيات المغربية.
وهو منظم جعل من مهرجان شفشاون موعدا دوليا شارك فيه مئات اللاعبين من عشرات الدول.
وهو لاعب حافظ على قدرته التنافسية إلى سن متقدمة، وحقق انتصارات على لاعبين مصنفين فوق 2200 نقطة.
وهو كذلك مثقف وكاتب ومؤطر ساهم في حفظ ذاكرة اللعبة ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة.
▪️الخلاصة
يحتل الأستاذ الدولي محمد مبارك ريان مكانة متقدمة بين الشخصيات التي صنعت تاريخ الشطرنج المغربي.
فأرقامه تتحدث عن مسيرة استثنائية: لقبان فرديان لبطولة المغرب، وثلاث وصافات، ولقب دولي تاريخي، وثلاث أولمبيادات، و12,5 نقطة في 32 مباراة أولمبية، وست بطولات وطنية للأندية، وكأسا عرش، وعقود من تنظيم مهرجان شفشاون وتأطير الناشئين والكتابة والتوثيق.
ولعل أهم ما يميز مسيرته هو أنها لم تتوقف عند مرحلة البطولة والشهرة، بل تحولت إلى عمل طويل في خدمة النادي والمدينة والشطرنج الوطني.
إنصاف محمد مبارك ريان لا يكون بذكر لقب واحد أو بطولة واحدة، بل بتقديمه في صورته الكاملة: بطلا وطنيا، ورائدا دوليا، ومسيرا ناجحا، ومنظما كبيرا، ومثقفا ظل يحمل ذاكرة الشطرنج المغربي وشغفه لأكثر من نصف قرن.
( تم إعداد هذا التقرير التوثيقي بالاعتماد على عدد كبير من المراجع الرقمية .)

أضف تعليق