البشير السبيع… قيدوم الشطرنجيين المغاربة وبطل المغرب وأحد كبار منظري الجيل الذهبي
تقديم
يمثل البشير السبيع واحدا من الأسماء الراسخة في تاريخ الشطرنج المغربي، ومن الشخصيات التي ربطت بين جيل الرواد والجيل الذي مهد لاحقا لظهور أسماء مغربية بارزة على الساحة الدولية.
وتمنحه مسيرته الطويلة مكانة خاصة باعتباره قيدوم الشطرنجيين المغاربة؛ فقد ظهر في مقدمة المنافسة الوطنية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ومثل المغرب في الأولمبياد العالمي، وتوج بطلا للمغرب، وظل حاضرا في المنافسات لعقود طويلة.
ولا تختزل قيمة السبيع في لقب وطني أو نتيجة واحدة، بل في اجتماع عدة صفات في شخصيته: اللاعب القوي، والمنظر، والمحلل، والكاتب الشطرنجي، وصاحب التجربة الأولمبية، وأحد ممثلي الثقافة الشطرنجية المغربية في زمن سبق الحواسيب والمحركات وقواعد البيانات الحديثة.
منذ بداية السبعينيات… حضور ثابت في قمة الشطرنج المغربي
تكشف نتائج بطولة المغرب الفردية أن البشير السبيع لم يظهر فجأة في سنة تتويجه، بل كان واحدا من اللاعبين الثابتين في دائرة المقدمة الوطنية طوال سنوات.
ومن أبرز نتائجه الموثقة:
المركز الرابع في بطولة المغرب سنة 1971.
المركز السادس سنة 1973.
المركز الثالث سنة 1975.
المركز الثالث سنة 1980.
بطل المغرب سنة 1981.
المركز الرابع سنة 1982.
وصيف بطل المغرب سنة 1987.
وهكذا نجد أن السبيع احتل مركزا ضمن الأربعة الأوائل في بطولة المغرب في ست مناسبات موثقة بين 1971 و1987.
وهذه الاستمرارية ربما تكون أهم من أي نتيجة منفردة، لأنها تعني أنه ظل لأكثر من عقد ونصف منافسا حقيقيا على قمة الشطرنج المغربي.
1981… سنة التتويج الكبير في تطوان
جاءت أهم لحظة وطنية في مسيرة البشير السبيع سنة 1981، عندما توج بطلا للمغرب في البطولة الوطنية الفردية التي احتضنتها مدينة تطوان من فاتح إلى 10 شتنبر.
وفرض السبيع نفسه في بطولة قوية ضمت عددا من أبرز لاعبي المغرب آنذاك، وانتزع المركز الأول متقدما على محمد مبارك ريان، الذي كان بدوره من كبار لاعبي تلك المرحلة.
ومع هذا الإنجاز حصل البشير السبيع على صفة الأستاذ الوطني.
وكان ذلك تتويجا لمسيرة بدأت قبلها بسنوات طويلة في المراكز المتقدمة، وليس نتيجة مفاجئة أو عابرة.
السبيع في أولمبياد العالم
قبل أن يصبح بطلا للمغرب، كان البشير السبيع قد حمل القميص الوطني في أكبر منافسة جماعية في عالم الشطرنج.
شارك في:
أولمبياد سكوبيي سنة 1972.
أولمبياد نيس سنة 1974.
في سكوبيي 1972 لعب بصفته الاحتياطي الأول للمنتخب المغربي، وخاض 13 مباراة، حقق خلالها انتصارين وأربعة تعادلات وسبع هزائم، بمجموع أربع نقاط.
وبعد سنتين، تقدم موقعه داخل المنتخب المغربي، فأصبح في أولمبياد نيس 1974 يلعب على الرقعة الثالثة الأساسية.
وخاض هناك 22 مباراة، سجل خلالها ستة انتصارات وأربعة تعادلات و12 هزيمة، محققا ثماني نقاط.
وبجمع المشاركتين، نجد أن السبيع لعب للمغرب في الأولمبياد:
35 مباراة
8 انتصارات
8 تعادلات
19 هزيمة
12 نقطة
ومن اللافت أنه انتقل خلال سنتين فقط من الاحتياط الأول إلى الرقعة الثالثة الأساسية، بما يعكس تطور مكانته داخل المنتخب الوطني في تلك المرحلة.
1988… عندما أسقط أستاذا دوليا كبيرا
تظل إحدى أشهر محطات البشير السبيع الدولية مرتبطة بالدوري الدولي الذي أقيم بالدار البيضاء سنة 1988.
احتضن فندق إيدو أنفا ما بين 14 و21 أكتوبر الدوري الدولي لصاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد، بمشاركة 34 لاعبا من المغرب وخارجه، بينهم عدد من الأساتذة الدوليين والكبار.
وكان ضمن المشاركين الأستاذ الكبير الهولندي هانس ري، والأستاذ الكبير اليوغوسلافي بريدراج أوستوييتش.
وفي الجولة الأولى صنع السبيع واحدة من مفاجآت الدورة عندما ألحق الهزيمة بالأستاذ الكبير اليوغوسلافي بريدراج أوستوييتش.
وتكتسب النتيجة أهميتها من قوة المنافس؛ فقد كان أوستوييتش أستاذا دوليا كبيرا، ووصل في مسيرته إلى تصنيف قريب من حاجز 2500.
وقد توقف الأستاذ الدولي الفرنسي نيكولا جيفار عند هذا الانتصار في تقريره عن البطولة المنشور في مجلة متخصصة في دجنبر 1988، وأشار إلى المتاعب التي كان السبيع يسببها للاعبين أصحاب الألقاب الدولية.
وتعد هذه المباراة من الانتصارات الدولية البارزة في مسيرة السبيع وفي ذاكرة الجيل المغربي الذي سبق عصر الاحتراف الشطرنجي الحديث.
«أستاذ الدار البيضاء»… مكانة خاصة بين منظري جيله
لم يكن البشير السبيع معروفا بنتائجه فوق الرقعة فقط، بل كانت له سمعة كبيرة في النظرية والتحليل.
وتكشف شهادة الأستاذ الدولي محمد مبارك ريان أن السبيع كان معروفا في الوسط الشطرنجي باسم:
Maître de Casablanca
أستاذ الدار البيضاء
وارتبط هذا الوصف بمعرفته الواسعة بالنظرية الشطرنجية وقدرته على تحليل المواقف المعقدة والبحث عن الأفكار غير المألوفة.
كما وضعه محمد حجاج ضمن أبرز منظري الشطرنج المغربي في جيله إلى جانب أسماء مثل مصطفى البقالي ومحمد مبارك ريان وخالد الشرفي وعبد الله أيت حميدو.
وكان السبيع كذلك من أبرز لاعبي نادي الفارس الذهبي بالدار البيضاء، ولعب على الرقعة الأولى للنادي خلال إحدى فتراته القوية.
تنوع افتتاحي وثقافة شطرنجية واسعة
تحتفظ قواعد المباريات الدولية بعشرات المباريات للبشير السبيع تمتد من السبعينيات إلى سنوات الألفية الجديدة.
وتظهر هذه المباريات لاعبا ذا ثقافة افتتاحية متنوعة.
فبالأسود نجد في مبارياته أنظمة من:
الدفاع الصقلي.
النيمزو هندية.
دفاع الحصانين.
وبالأبيض تظهر لديه افتتاحية فيينا وروي لوبيز وأنظمة متعددة ضد مختلف الدفاعات.
ولا تمثل المباريات الموجودة في قواعد البيانات الرقمية كل مسيرته، لأن جزءا كبيرا من نشاطه جرى في فترة لم تكن فيها المباريات المغربية تحفظ إلكترونيا.
الكاتب والمحلل… «من أعلى الرخ»
من الجوانب المهمة في شخصية البشير السبيع أنه لم يكن مستهلكا للثقافة الشطرنجية فقط، وإنما ساهم في إنتاجها وكتابتها.
وتشير شهادات أرشيفية إلى مشاركته في مجلة شطرنجية متخصصة خلال بداية الثمانينيات إلى جانب مجموعة من الأسماء المغربية، منها خالد الشرفي ورياض أبو شملة وكمال الصقلي ومحمد واشاك.
وكان السبيع مسؤولا عن ركن للأخبار والتعليقات اختار له اسما لافتا:
**Du haut de la tour
من أعلى الرخ**
كما قدم تحليلات لمباريات من بطولة المغرب الفردية لسنة 1982.
وتشير شهادة محمد مبارك ريان كذلك إلى أن كتابات السبيع كانت كثيرة، وأنه تولى لفترة ركنا أسبوعيا في جريدة فرنكوفونية، كما ساهم في مجلة شطرنجية متخصصة صدرت خلال الثمانينيات.
وهو ما يجعله واحدا من المساهمين في تأسيس ثقافة شطرنجية مغربية مكتوبة قبل ظهور الإنترنت بعقود.
مهندس وعاشق لألعاب الفكر
لم يكن اهتمام البشير السبيع محصورا في الشطرنج.
وتشير شهادة أحد معاصريه إلى أنه كان مهندس دولة قبل تقاعده.
كما اشتهر باهتمامه بألعاب الفكر المختلفة، ومن بينها السكرابل والكلمات المتقاطعة.
وتذكر شهادة محمد مبارك ريان أن السبيع شارك مع الصحفي مصطفى برادة في منتصف الثمانينيات في إطلاق مجلة كوجيتو المخصصة لألعاب الذكاء والفكر.
وهذا الجانب يساعد على فهم شخصيته الشطرنجية؛ فقد كان اهتمامه منصبا بصورة عامة على التحليل والمنطق والألعاب الذهنية، وليس على المنافسة الشطرنجية وحدها.
«الوضعية متعادلة… لكن القوة مختلفة»
ترك البشير السبيع في ذاكرة معاصريه عبارة تختصر فلسفته في اللعب.
يروي محمد مبارك ريان أن السبيع كان يلعب في إحدى البطولات وضعية اعتبرها الآخرون متعادلة، لكنه رفض الاكتفاء بالتعادل واستمر في الضغط.
وعندما سئل عن ذلك، أجاب:
«الوضعية متعادلة… لكن القوة مختلفة.»
عبارة بسيطة لكنها شديدة الدلالة.
فالموقف قد يكون متعادلا من الناحية النظرية، لكن ذلك لا يعني أن اللاعبين متساويان في القدرة على التعامل معه.
وهي فلسفة تقوم على اللعب العملي، والصبر، وإجبار الخصم على اتخاذ القرارات حتى في المواقف التي تبدو هادئة.
أربعة عقود فوق الرقعة
لعل أكثر جوانب مسيرة البشير السبيع إثارة للإعجاب هو طول عمره التنافسي.
فبعد أكثر من ثلاثين عاما على ظهوره في مقدمة بطولة المغرب سنة 1971، نجده سنة 2002 مشاركا في المغرب المفتوح الذي ضم 74 لاعبا.
حقق يومها 5.5 نقاط وحل في المركز 17، وقدم أداء أعلى بكثير من تصنيفه المسجل في البطولة.
وفي دجنبر 2005 فاز بجائزة فئة الرواد في الدورة الدولية الأولى لكأس المرحوم الحاج محمد السقاط، وكان يمثل نادي الرجاء.
كما شارك في بطولات جبل طارق الدولية خلال سنتي 2006 و2007.
وفي سنة 2008 كان لا يزال حاضرا في كأس شفشاون، بعد أكثر من ثلاثة عقود من مشاركته في أولمبياد نيس.
ولم تتوقف الاستمرارية عند ذلك.
ففي مفتوح مراكش سنة 2011 أحرز السبيع خمس نقاط من سبع جولات، وجاء ضمن مجموعة اللاعبين أصحاب المراكز المتقدمة.
وهكذا يمكن تتبع نشاطه التنافسي الموثق من 1971 إلى 2011 على الأقل.
أي ما يقارب أربعين سنة من الحضور في المنافسات.
البشير السبيع… قيدوم الشطرنجيين المغاربة
حين نستعرض هذه المسيرة الطويلة، تتضح المكانة الخاصة التي يحتلها البشير السبيع في الذاكرة الشطرنجية الوطنية.
فنحن أمام لاعب كان ضمن مقدمة بطولة المغرب منذ سنة 1971، وحمل القميص الوطني في الأولمبياد منذ سنة 1972، وتوج بطلا للمغرب سنة 1981، ثم عاد ليصبح وصيفا لبطل المغرب سنة 1987، قبل أن يواصل المنافسة في البطولات الوطنية والدولية لعقود أخرى.
وعلى امتداد هذه الرحلة كان:
بطلا للمغرب.
أستاذا وطنيا.
لاعبا أولمبيا.
صاحب 35 مباراة في الأولمبياد.
صاحب انتصار على أستاذ دولي كبير.
من أبرز منظري جيله.
محللا وكاتبا شطرنجيا.
مساهما في نشر ثقافة ألعاب الفكر.
ولاعبا حافظ على حضوره التنافسي لأربعة عقود.
ومن هنا تبرز مكانته بوصفه قيدوم الشطرنجيين المغاربة وأحد أبرز رموز الجيل الذهبي للشطرنج الوطني.
مكانه في تاريخ الشطرنج المغربي
لا يكفي أن نقدم البشير السبيع بعبارة «بطل المغرب سنة 1981».
فذلك اللقب، على أهميته، ليس سوى محطة داخل مسيرة أكبر بكثير.
السبيع ينتمي إلى الجيل الذي حافظ على قوة الشطرنج المغربي في السبعينيات والثمانينيات، إلى جانب أسماء كبيرة من قبيل مصطفى البقالي وأحمد بنيس ومحمد مبارك ريان وخالد الشرفي وعبد الله أيت حميدو وغيرهم.
ثم امتدت مسيرته إلى المرحلة التي ظهر فيها جيل جديد يتقدمه هشام الحمدوشي ومحمد تيسير وعبد العزيز عنقود وغيرهم.
وبذلك أصبح السبيع جسرا بين أجيال متعددة من الشطرنج المغربي.
لقد عاصر مرحلة كان اللاعب يبني ثقافته من الكتب والمجلات والتحليل الشخصي، ثم عاش عصر قواعد البيانات والحاسوب والإنترنت، وبقي خلال كل ذلك مرتبطا بالرقعة وبالثقافة الشطرنجية.
إن البشير السبيع ليس مجرد اسم في سجل أبطال المغرب.
إنه أحد صناع الذاكرة الشطرنجية المغربية، وقيدوم جيل كامل حمل اللعبة الوطنية خلال عقود طويلة.
المراجع
الاتحاد الدولي للشطرنج: الملف الرسمي للبشير السبيع وسجله الدولي.
أرشيف أولمبيادات الشطرنج: نتائج المنتخب المغربي في أولمبيادي سكوبيي 1972 ونيس 1974، والسجل الفردي للبشير السبيع.
أرشيف الشطرنج المغربي لعبد العزيز عنقود: نتائج بطولات المغرب وملف البشير السبيع والمواد التوثيقية المتعلقة بمسيرته.
أرشيف مجلة الشطرنج المغربية القديمة: مواد وشهادات محمد مبارك ريان ومحمد حجاج ويوسف بوقدير حول البشير السبيع.
مجلة أوروبا للشطرنج: العدد 360 الصادر في دجنبر 1988، وتقرير الأستاذ الدولي نيكولا جيفار عن الدوري الدولي بالدار البيضاء.
قاعدة الأسبوع في الشطرنج: نتائج المغرب المفتوح لسنة 2002.
وثائق الاتحاد الدولي للشطرنج الخاصة بكأس الحاج محمد السقاط: توثيق فوز البشير السبيع بجائزة الرواد في الدورة الأولى.
قاعدة المباريات الدولية: المباريات المحفوظة للبشير السبيع ومشاركاته في البطولات الدولية، ومنها جبل طارق.
مجلة أوروبا للشطرنج: نتائج الدورة الثانية لمفتوح مراكش سنة 2011.
قاعدة بيانات اللاعبين الدوليين: السجل الشطرنجي للأستاذ الكبير اليوغوسلافي بريدراج أوستوييتش.
أضف تعليق