عبد الحفيظ العمري… لاعب دولي وحكم ومؤلف ومكوّن وصانع مدرسة شطرنجية
تقديم
يمثل عبد الحفيظ العمري حالة خاصة في تاريخ الشطرنج المغربي الحديث؛ فقد امتدت علاقته باللعبة لأكثر من نصف قرن، وجمع خلالها بين أدوار يصعب أن تجتمع كلها في مسيرة واحدة: لاعب في المنتخب الوطني، وأستاذ اتحاد دولي، وحكم دولي، ومسير جامعي، ومؤسس ورئيس أندية وجمعيات، ومنظم للبطولات، ومدرب ومكون، وصحفي متخصص، ومؤلف وباحث، فضلا عن كونه أبا لثلاث بطلات تركن بصمتهن في الشطرنج المغربي والعربي.
ولد عبد الحفيظ العمري بمدينة سلا في 6 مارس 1954، وتشير سيرته المنشورة إلى نشاطه في الصحافة الشطرنجية منذ سنة 1974. ومع منتصف السبعينيات بدأ حضوره التنافسي والدولي، ليتحول تدريجيا من لاعب شاب في المنتخب المغربي إلى شخصية متعددة الأدوار داخل المشهد الشطرنجي الوطني.
البدايات وأول تمثيل للمغرب
كان أول تمثيل دولي معروف للعمري باسم المغرب في مهرجان الشباب العربي بطرابلس سنة 1975.
وفي سنة 1976 شارك في بطولة المغرب الفردية، واحتل بحسب سيرته المنشورة المركز السادس، ثم واصل تقدمه فاحتل المركز الرابع في بطولة المغرب سنتي 1978 و1981.
وفي سنة 1976 شارك كذلك ضمن الفريق المغربي في الأولمبياد الموازي أو المضاد بطرابلس، الذي نظم بالتزامن مع الأولمبياد الرسمي للاتحاد الدولي المقام في حيفا، في سياق مقاطعة عدد من الدول للمنافسة الرسمية.
وكانت هذه المشاركات بداية مرحلة حمل خلالها العمري ألوان المغرب في عدة مسابقات خارجية.
الفرس الأبيض… أول لقب كبير مع الأندية
ارتبط العمري في تلك المرحلة بنادي الفرس الأبيض، أحد أقوى الأندية المغربية في سبعينيات القرن الماضي.
وتوج مع الفرس الأبيض بطلا للمغرب للفرق سنة 1977، في البطولة التي أقيمت بفندق سولازور بمدينة طنجة.
ثم احتل النادي المرتبة الثانية ثلاث مرات متتالية خلف جمعية ألوان فنية، في مرحلة عرفت تنافسا قويا بين الناديين.
واستمرت ألقاب العمري الجماعية بعد ذلك، فتوج بكأس المغرب سنة 1987، ثم عاد بعد سنوات طويلة ليحرز بطولة المغرب للفرق سنة 2004.
وهكذا امتدت ألقابه مع الأندية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود.
أولمبياد بوينس آيرس 1978
من أبرز محطات العمري كلاعب مشاركته في أولمبياد بوينس آيرس بالأرجنتين سنة 1978 ضمن المنتخب الوطني المغربي.
لعب على الرقعة الرابعة، وخاض ثماني مباريات، حقق فيها فوزين وتعادلا واحدا وخمس هزائم، بمجموع نقطتين ونصف.
وكان الوصول إلى الأولمبياد آنذاك محطة مهمة في مسيرة اللاعب المغربي، في ظل محدودية المشاركات الدولية وفرص الاحتكاك الخارجي خلال سبعينيات القرن الماضي.
طرابلس 1981… لقب أستاذ الاتحاد الدولي
تعد بطولة المنطقة الإفريقية الأولى بطرابلس سنة 1981 واحدة من أهم المحطات الفردية في مسيرة عبد الحفيظ العمري.
أقيمت البطولة بين 17 أكتوبر و6 نونبر بمشاركة 16 لاعبا، ومثل المغرب فيها عبد الحفيظ العمري ومحمد مبارك ريان.
وكانت قوانين الاتحاد الدولي المعمول بها في البطولة تتيح للاعبين تحقيق الألقاب حسب النسبة المحققة من مجموع النقاط.
وأنهى العمري المنافسة برصيد 8.5 نقاط من 15 مباراة، وهي النتيجة التي أهلته للحصول على لقب أستاذ الاتحاد الدولي FM.
وتشير سيرته إلى تسجيل اللقب سنة 1982، بينما تحقق الإنجاز فعليا في زونال طرابلس سنة 1981.
وكانت الجولة الأخيرة حاسمة، إذ احتاج العمري إلى الفوز على اللاعب الليبي ماجبري لتحقيق النتيجة المطلوبة، ونجح في ذلك رغم الظروف النفسية والسياسية الصعبة التي أحاطت بالمباراة والوفد المغربي.
استمر لاعبا بعد انتقاله إلى التسيير
لم تؤد أدواره التنظيمية والإدارية إلى ابتعاده المبكر عن الرقعة.
ففي سنة 2003 شارك مع اتحاد الفتح الرياضي في النسخة الثالثة من كأس الربيع للشطرنج السريع، وتوج الفريق بالمسابقة، بينما حصل العمري على جائزة أفضل لاعب في الرقعة الثانية.
كما استمر في تجربة الأندية خارج المغرب؛ وفي شهادة مباشرة منه أفاد بأنه لعب لنادي البريد بمرسيليا PTT Marseille خلال موسمي 2012 و2013.
وهذه الاستمرارية تظهر أنه ظل يجمع بين التسيير والتحكيم والتكوين وبين ممارسة اللعبة نفسها.
الحكم الدولي… تجربة امتدت لعقود
حصل عبد الحفيظ العمري سنة 1986 على لقب الحكم الدولي IA، وأصبح التحكيم بعد ذلك أحد المحاور الرئيسية في مسيرته.
شارك حكما أو مسؤولا تقنيا في عدد كبير من المسابقات، من بينها البطولات الوطنية والجهوية، وبطولات الفئات العمرية، والمسابقات المدرسية والفرنكوفونية، كما تولى تحكيم إحدى دورات مهرجان شفشاون الدولي.
ومن المحطات الحديثة توليه التحكيم الرئيسي في مهرجان أزرو الوطني للشطرنج سنة 2022، وإدارته التقنية لمنافسات جامعية، ومنها الدوري الدولي الجامعي بالرباط سنة 2025.
وتضيف شهادته المباشرة تفاصيل مهمة إلى تجربته الدولية؛ إذ يذكر أنه كان الحكم العربي والإفريقي الوحيد في مهرجان جبل طارق الدولي المفتوح خلال الفترة من 2004 إلى 2013، ثم واصل حضوره في مهرجان جبل طارق الدولي للفتيان من 2012 إلى 2019.
كما عمل حكما رئيسيا مساعدا في الدوري الدولي لمدينة جربة التونسية.
وتكشف هذه المعطيات عن تجربة تحكيمية دولية طويلة، امتدت من المغرب إلى أوروبا والعالم العربي، ولم تكن مجرد لقب دولي من دون ممارسة فعلية.
المسير الجامعي ونائب رئيس الجامعة
وصل العمري مبكرا إلى الجهاز الإداري للجامعة الملكية المغربية للشطرنج.
فقد كان ضمن فريق التسيير الذي رافق الراحل عبد الواحد الفاسي الفهري بعد انتخابه رئيسا للجامعة في أواخر الثمانينيات، وتولى في تلك المرحلة منصب نائب رئيس الجامعة الملكية المغربية للشطرنج.
وتمثل هذه المحطة جانبا مهما في مسيرته؛ لأنها تظهر أنه لم يكن دائما خارج المؤسسة الجامعية أو في موقع المعارضة لها، بل مارس المسؤولية من داخلها وساهم في تسييرها.
هل كان العمري «معارضا» للجامعة؟
يحرص عبد الحفيظ العمري على تصحيح صورة يعتبرها غير دقيقة في بعض الكتابات التي تقدمه باعتباره معارضا دائما للجامعة.
وفي شهادة مباشرة منه لمعد هذا التقرير، يؤكد أنه تعاون، أو أبدى استعداده للتعاون، مع الرؤساء المتعاقبين على الجامعة، ويذكر منهم مصطفى البقالي، ومحمد الحلوي، وعبد الواحد الفاسي الفهري، وكمال الصقلي، وأحمد الجعفري، ومصطفى أمزال.
وبحسب روايته، كانت الخلافات تظهر عندما ينتقل من التعاون إلى انتقاد بعض القرارات أو طرق التدبير بصورة علنية، فتدخل علاقته بالمكتب المسؤول في مرحلة توتر.
ومن هنا فإن الأدق وصف علاقته بالجامعة بأنها مرت بمراحل من التعاون والمسؤولية، وأخرى من الاختلاف والنقد، بدلا من اختزال مسيرته كلها في صفة «المعارض».
تأسيس فرع الشطرنج بالفتح الرياضي
ترتبط إحدى أهم تجارب العمري التنظيمية بـاتحاد الفتح الرياضي.
وتشير سيرته المنشورة إلى مساهمته في تأسيس فرع الشطرنج بالفتح الرباطي، بينما توثق الصحافة انتخابه بالإجماع في يناير 2003 رئيسا للفرع الجديد.
وأعلن آنذاك برنامجا يقوم على نشر الشطرنج في العاصمة، وتكوين الفئات الصغرى، وربط الفرع بالجامعة، وتنظيم منافسات ذات بعد دولي.
وسرعان ما تحول الفرع إلى مركز نشط في تكوين الأطفال والشباب، وحقق نتائج وطنية في عدة فئات، إلى جانب حضوره في بطولة المغرب للفرق.
وفي سنة 2004 توج العمري مع الفتح بطلا للمغرب للفرق.
دوري الأساتذة المغاربة بالرباط 1987
من أبرز مبادراته التنظيمية المبكرة تنظيم دوري للأساتذة المغاربة بالرباط من 2 إلى 5 أبريل 1987، تكريما لبطل المغرب السابق المختار القادري.
وجمع الدوري نخبة من أبرز لاعبي المغرب في تلك الفترة، من بينهم مصطفى البقالي، وخالد الشرفي، والبشير السبيع، ومحمد مبارك ريان، وعبد الحفيظ العمري، وعبد الله أيت حميدو، وقاسم ريان.
كما شارك البطل المخضرم أحمد بنيس، في واحدة من آخر مشاركاته التنافسية الكبيرة.
وتبرز أهمية هذا الدوري في كونه جمع عددا من أبطال وأساتذة المغرب في منافسة نوعية مخصصة للنخبة، في فترة كانت فيها مثل هذه التظاهرات محدودة.
بطولة الرباط الدولية… العمري رئيسا ومديرا
كان الدوري الدولي المفتوح للرباط من أبرز التظاهرات التي ارتبطت باسم العمري.
وتوثق النسخة الثانية، التي نظمت بين 27 يونيو و3 يوليوز 2003، أن عبد الحفيظ العمري كان رئيسا ومديرا للبطولة.
وأقيمت المنافسة في قاعة الحفلات التابعة لعمالة الرباط، وفق النظام السويسري من تسع جولات.
وكان المشروع جزءا من تصور يرمي إلى جعل العاصمة فضاء لمنافسة دولية توفر للاعبين المغاربة فرص الاحتكاك بلاعبين أجانب دون الاضطرار دائما إلى السفر.
منظم لعشرات الأنشطة والدوريات
لم يقتصر نشاط العمري التنظيمي على دوري الرباط.
فقد أشرف خلال مراحل مختلفة على بطولات للفئات العمرية، ودوريات للشطرنج السريع والخاطف، وبطولات للفرق، وكأس الربيع، وبطولات مدرسية وفرنكوفونية، وعروض للعب المتزامن، ودورات لتكوين المدربين ومعلمي الشطرنج.
كما ارتبط اسمه بتنظيم دورات تخليدية لذكرى بطل المغرب السابق عبد الرحمن النجار، في مبادرة تجمع بين المنافسة وحفظ ذاكرة رواد اللعبة.
وإلى جانب التنظيم داخل المغرب، كان يرافق المواهب الصغيرة إلى عدد من البطولات الدولية في فرنسا والبرتغال وجبل طارق وغيرها.
جمعية المغرب الرياضي
في مرحلة لاحقة تولى العمري رئاسة جمعية المغرب الرياضي، التي أصبحت إحدى أهم واجهات نشاطه التربوي والتنظيمي.
ركزت الجمعية على نشر الشطرنج داخل المؤسسات التعليمية، ونظمت على امتداد سنوات عددا كبيرا من الدوريات المدرسية والفرنكوفونية، ومسابقات الأطفال والفئات العمرية، ودورات الشطرنج السريع والخاطف، وعروض اللعب المتزامن والأنشطة التكوينية.
ومن خلال الجمعية انتقل مشروع العمري بصورة أوضح من النادي إلى المدرسة، وربط المنافسة بالتكوين ونشر اللعبة بين الناشئة.
كما ساهم في تأسيس ناد للشطرنج بمدرسة الأمل بجماعة سيدي بوخلخال، ضمن هذا التوجه نحو إدخال اللعبة إلى الوسط المدرسي.
مدرسة كاربوف
من أبرز محطات مشروعه التكويني ارتباطه ببطل العالم السابق أناتولي كاربوف.
ففي سنة 2009 أعلن عن إنشاء مدرسة كاربوف للشطرنج بالرباط، وقدمت في الصحافة باعتبارها أول مدرسة في إفريقيا تحمل اسم بطل العالم الروسي.
وتطور الارتباط لاحقا، وفي سنة 2013 تسلم العمري شهادة تعيينه ممثلا لمدرسة كاربوف في المغرب.
وكان المشروع امتدادا لسنوات طويلة من الاشتغال مع الأطفال والفئات العمرية، وليس مبادرة معزولة عن مساره السابق.
أكاديمية الرباط… أول أكاديمية مغربية معتمدة
بلغ المشروع التكويني مرحلة أكثر مؤسساتية مع Rabat Chess Academy.
وفي سنة 2021 حصلت أكاديمية الرباط على اعتماد رسمي من الاتحاد الدولي للشطرنج، لتصبح أول أكاديمية مغربية معتمدة من FIDE.
ويمثل ذلك واحدا من أبرز إنجازات العمري في مجال التكوين، إذ نقل تجربته من التدريب الأسري والنادي والمدرسة إلى مؤسسة ذات اعتراف دولي.
التلفزيون… تجربة مبكرة سنة 1986
كان للعمري حضور مبكر كذلك في الإعلام السمعي البصري.
فقد أنتج سنة 1986 برنامجا متخصصا في الشطرنج للتلفزيون الوطني المغربي.
وتكتسب هذه التجربة قيمة خاصة بالنظر إلى ندرة البرامج الشطرنجية في التلفزيون المغربي خلال تلك الفترة.
الصحفي الشطرنجي
بدأ نشاط عبد الحفيظ العمري في الصحافة الشطرنجية منذ سنة 1974.
وكتب في عدد من الصحف المغربية، وخاصة جريدة العلم، كما تولى خلال الثمانينيات مسؤولية صفحة متخصصة في الشطرنج بجريدة أنوال.
ولم تقتصر كتاباته على أخبار المسابقات، بل تناولت التاريخ والثقافة والفكر المرتبط بالشطرنج، ومن بين موضوعاته مقال عن علاقة كارل ماركس بالشطرنج.
واستمرت تجربته في الصحافة الإلكترونية من خلال موقع Maroc-Echecs، قبل أن يتولى سنة 2017 رئاسة تحرير الموقع.
وبذلك امتدت تجربته الإعلامية من الصحافة الورقية إلى الإعلام الإلكتروني على مدى أكثر من أربعة عقود.
المؤلف… «الشطرنج هدية العرب إلى العالم»
في سنة 2002 أصدر العمري أشهر مؤلفاته:
«الشطرنج هدية العرب إلى العالم: دراسة في تاريخ مهمل لتراث عربي كبير».
ويتناول الكتاب تاريخ اللعبة، والدور الذي لعبته الحضارة العربية والإسلامية في تطويرها ونقل ثقافتها ومصطلحاتها إلى الغرب.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب التقني، بل يقدم الشطرنج باعتباره جزءا من التاريخ الثقافي والحضاري.
كما ساهم العمري في إعداد ومراجعة «دفاتر الشطرنج» إلى جانب الراحل بوجمعة قريوش.
تجربة إدارية في رياضة الكريكت
لا تقتصر تجربة العمري الرياضية على الشطرنج.
وفي شهادة مباشرة منه، أوضح أن رئيس الجامعة الملكية المغربية للكريكت شكيب النجار استعان بخبرته الإدارية، فعينه مستشارا سنة 2001، ثم تولى العمري مهمة إدارة الجامعة سنة 2002.
وبعد مرحلة من جمود نشاط الجامعة، عاد العمري سنة 2009 إلى مكتبها المديري في منصب نائب الرئيس المكلف بالإعلام والإدارة.
وعرفت أنشطة الكريكت في تلك المرحلة حضورا لافتا لأعضاء السلك الدبلوماسي لدول الكومنولث، بحكم الشعبية الكبيرة لهذه الرياضة في عدد من تلك البلدان.
وتكشف هذه التجربة أن خبرته في التنظيم والإعلام الرياضي تجاوزت إطار الشطرنج إلى رياضة أخرى.
ويقدم العمري رواية خاصة لنهاية تجربته داخل الجامعة الملكية المغربية للكريكت إذ يقول، في شهادة مباشرة لمعد التقرير، إن خلافاته السابقة في الوسط الرياضي انعكست على موقعه داخل الجامعة، وإن جهات إدارية سعت إلى إبعاده عن مكتبها المديري. كما يربط بين هذه الخلافات وبين التعثر الذي عرفه نشاط الجامعة لاحقا.
جمعية الصداقة المغربية الروسية
ومن المجالات الأخرى التي التقى فيها نشاطه الثقافي بالشطرنج توليه منصب الكاتب العام لجمعية الصداقة المغربية الروسية سنة 2009، ثم تجددت الثقة فيه في بداية سنة 2026.
ووفقا لشهادته، ساهمت الجمعية في تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية مرتبطة بالعلاقات المغربية الروسية، وكان للشطرنج حضور مهم فيها.
وفي هذا السياق استقبل المغرب بطل العالم السابق أناتولي كاربوف، كما حضرت بطلة العالم ألكسندرا كوستينيوك في أنشطة شطرنجية بالمغرب.
ويذكر العمري أيضا مساهمة الجمعية في التنسيق لعدد من الزيارات والأنشطة التي ربطت الشطرنج المغربي بشخصيات عالمية، وهي محطة أخرى تعكس حضوره في مجال العلاقات الثقافية والرياضية.
اهتمامات خارج المجال الرياضي
وإلى جانب مسيرته الرياضية والثقافية، ارتبط عبد الحفيظ العمري أيضا بالمجال الفلاحي. ففي شهادة مباشرة منه، أشار إلى اهتمامه منذ سنوات بالفلاحة وتربية المواشي، وإلى توليه رئاسة تعاونية فلاحية، في تجربة أضافت بعدا آخر إلى تعدد مجالات نشاطه خارج الشطرنج والعمل الرياضي.
ويعكس هذا الجانب تنوع اهتماماته بين الرياضة والثقافة والعمل الجمعوي والفلاحي، إلى جانب نشاطه الطويل في التكوين والتنظيم
مرافق المنتخبات واللاعبين الصغار
لم تكن مساهمة العمري الدولية مقتصرة على كونه لاعبا أو حكما.
فبعد انتقاله إلى التدريب والتسيير، رافق لاعبين وفئات مغربية في عدد من البطولات العربية والإفريقية والعالمية.
وتظهر تجربته مع بناته ولاعبي الفتح وعدد من المواهب الصاعدة حرصه على توفير الاحتكاك الدولي لهم في فرنسا والبرتغال وجبل طارق وغيرها.
التوقيفات والقضاء… رواية العمري
عرفت علاقة عبد الحفيظ العمري ببعض المكاتب الجامعية مراحل من الخلاف الحاد، أدت إلى صدور قرارات توقيف في حقه.
وكان أشهرها قرار الجمع العام سنة 2006، الذي تداولت الأخبار الأولى أنه يمتد 25 سنة، قبل أن يصحح العمري بنفسه المعلومة مؤكدا أن العقوبة كانت 20 سنة.
ولجأ العمري إلى القضاء، وانتهى النزاع بإلغاء قرار التوقيف قضائيا.
وفي شهادته المباشرة لهذا التقرير، يضيف العمري أنه تعرض خلال فترات مختلفة لقرارات إقصاء أو توقيف أخرى، ويحدد من بينها خمس سنوات سنة 1989، وثماني سنوات سنة 1998، إضافة إلى قرارات أخرى في سنوات 1993 و2007 و2009، ويؤكد أن جميع القرارات التي طعن فيها انتهت إلى الإلغاء القضائي بصورة نهائية.
.
واللافت أن هذه الخلافات لم تنه نشاط العمري إذ استمر في التحكيم والتنظيم والتكوين والعمل الجمعوي، ويؤكد أنه ما يزال اليوم يشتغل في عدد من الأنشطة خارج الإطار المباشر للجامعة، مع التعاون معها من خلال تنظيم مسابقات ودوريات معتمدة.
نوال العمري… اثنا عشر لقبا وطنيا
يعد نجاح العمري في تكوين بناته الثلاث من أبرز إنجازات مسيرته التدريبية.
كانت نوال العمري أولاهن بروزا.
فازت ببطولة المغرب لأقل من 8 سنوات سنة 1988، ثم أحرزت بطولة المغرب لأقل من 12 سنة أربع مرات متتالية: 1990 و1991 و1992 و1993.
كما حققت ثلاثة ألقاب وطنية أخرى في الفئات السنية سنوات 1995 و1996 و1997، ولقبي الشابات سنتي 1998 و1999.
وعلى مستوى السيدات أصبحت بطلة المغرب مرتين، سنتي 1994 و1997.
وبذلك يبلغ رصيدها 12 لقبا وطنيا.
كما احتلت المركز الأول مناصفة في بطولة المغرب العربي سنتي 1990 و1995، والمركز السادس عشر في بطولة العالم لأقل من عشر سنوات بوارسو سنة 1991.
وتعادلت مع أناتولي كاربوف في عرض متزامن بالدار البيضاء سنة 1992، ثم أحرزت المركز الأول في بطولة فارو الدولية بالبرتغال سنة 1999.
سناء العمري… السابعة عالميا
بدأت سناء العمري بدورها مبكرا، ففازت سنة 1992 بالبطولة الوطنية المختلطة لأقل من عشر سنوات.
كما أصبحت بطلة المغرب للفتيات لأقل من عشر سنوات في 1992 و1994، ولأقل من 12 سنة في 1996 و1997، ولأقل من 16 سنة سنة 2001، ولأقل من 20 سنة سنة 2005.
ويبقى إنجازها الدولي الأبرز احتلال المرتبة السابعة في بطولة العالم لأقل من عشر سنوات بالمجر سنة 1994.
وفي السنة التالية جاءت في المركز السادس والعشرين في بطولة العالم بالبرازيل، وأحرزت المركز الثالث في بطولة المغرب العربي لأقل من 12 سنة سنة 1995.
كما حصلت على الجائزة الثانية لفئة أقل من 14 سنة في دوري فارو الدولي بالبرتغال سنة 1999.
وتوجت بطلة للمغرب للفرق النسوية ثلاث مرات في 2005 و2006 و2007، ثم أصبحت بطلة المغرب للسيدات سنة 2010.
كما أحرزت برونزية الألعاب الجامعية بمصر سنة 2009، وبرونزية الألعاب العربية بقطر سنة 2011، وبلغ أعلى تصنيف دولي لها 1803 نقاط.
ليلى العمري… بطلة العرب وصاحبة لقب دولي
أما ليلى العمري فحققت بدورها حصيلة كبيرة منذ طفولتها.
أحرزت المركز الثالث في بطولة بانيو الدولية بفرنسا لأقل من 8 سنوات سنة 1997، ثم الجائزة الأولى لفئتها في بطولة دولية بباريس سنة 1999، والثانية في فارو بالبرتغال في السنة نفسها.
وتوجت ببطولات المغرب للفئات العمرية في مراحل متتالية: أقل من 10 سنوات سنة 2001، وأقل من 12 سنة سنتي 2002 و2003، وأقل من 14 سنة سنتي 2005 و2006، وأقل من 16 سنة سنة 2007، وأقل من 18 سنة سنة 2009.
كما أصبحت بطلة المغرب للسيدات سنتي 2006 و2009.
وعربيا حققت المركز الأول مناصفة في بطولة العرب لأقل من عشر سنوات بسوريا سنة 2001، ثم أصبحت بطلة العرب لأقل من 12 سنة مرتين متتاليتين، في تونس سنة 2002 وقطر سنة 2003.
وفي سنة 2003 حصلت على لقب أستاذة اتحاد دولي للسيدات WFM.
كما أحرزت ذهبية الرقعة الأولى في الألعاب العربية بمصر سنة 2007، وفضية الألعاب الجامعية بمصر سنة 2009، وبرونزية الألعاب العربية بقطر سنة 2011، وبرونزية البطولة العربية للشطرنج الخاطف في السنة نفسها.
ولعبت مع نادي PTT Marseille في البطولة الفرنسية سنتي 2012 و2013، وبلغ أعلى تصنيف دولي لها 1928 نقطة.
كما تعادلت في عروض متزامنة مع بطلي العالم أناتولي كاربوف وألكسندرا كوستينيوك.
مدرسة عائلية حقيقية
عندما توضع حصيلة نوال وسناء وليلى إلى جانب بعضها، يصبح الحديث عن «مدرسة العمري» وصفا دقيقا أكثر منه عبارة إنشائية.
ثلاث شقيقات حققت كل واحدة منهن ألقابا وطنية ونتائج خارجية، ووصلت الأسرة إلى بطولة العرب وبطولات العالم للفئات والألعاب العربية، وبرزت نتائج من مستوى المركز السابع عالميا.
إنها إحدى التجارب العائلية الأكثر تميزا في تاريخ الشطرنج المغربي، ودليل عملي على خبرة الأب في التدريب والتكوين طويل المدى.
صلة عائلية بأسرة القادري
ترتبط أسرة العمري بأسرة القادري بعلاقة عائلية مباشرة.
فعبد الحفيظ العمري هو خال بشرى القادري، بطلة المغرب السابقة ورئيسة الجامعة الملكية المغربية للشطرنج.
كما كان الراحل مختار القادري، بطل المغرب والمسير والرئيس السابق للجامعة، زوج شقيقة عبد الحفيظ العمري.
وهكذا اجتمعت داخل عائلة ممتدة واحدة أسماء تركت بصمات مختلفة في اللعبة: مختار القادري، وعبد الحفيظ العمري، وبشرى القادري، ثم نوال وسناء وليلى العمري.
استمرارية نادرة
لعل أكثر ما يميز مسيرة عبد الحفيظ العمري هو طولها وتنوعها.
فقد بدأ نشاطه الصحفي في السبعينيات، ومثل المغرب منذ سنة 1975، ثم انتقل من اللعب إلى التحكيم والتسيير والتدريب والتنظيم والإعلام والتأليف والعمل المدرسي والأكاديمي.
وعلى الرغم من الخلافات التي عرفتها علاقته ببعض المكاتب الجامعية بعد فترات من التعاون معها، استمر نشاطه عبر الأندية والجمعيات والتحكيم والبطولات والمشاريع التكوينية.
وحتى بعد سن السبعين، ظل اسمه حاضرا في الساحة، ما يجعل مسيرته تمتد فعليا من سبعينيات القرن الماضي إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
خلاصة
عبد الحفيظ العمري ليس مجرد لاعب سابق في المنتخب المغربي، ولا مجرد حكم دولي أو مؤلف.
إنه أحد النماذج القليلة التي جمعت بين اللعب الدولي، والألقاب مع الأندية، والتحكيم، والتسيير الجامعي، وتأسيس الأندية والجمعيات، وتنظيم البطولات، والتدريب، ومرافقة الفئات، والصحافة والتلفزيون، والتأليف والعمل الثقافي والجمعوي.
مثل المغرب منذ سنة 1975، وشارك في أولمبياد طرابلس الموازي سنة 1976 وبوينس آيرس 1978، وحقق لقب FM في زونال طرابلس 1981، وأصبح حكما دوليا سنة 1986، وتولى نيابة رئاسة الجامعة، وأسهم في تأسيس فرع الشطرنج بالفتح، وأدار بطولة الرباط الدولية، ونظم دوري الأساتذة، وترأس جمعية المغرب الرياضي، وأطلق مشاريع مدرسية وتكوينية، وأسهم في مدرسة كاربوف، ثم قاد أكاديمية الرباط إلى أن أصبحت أول أكاديمية مغربية معتمدة من FIDE.
كما راكم تجربة تحكيمية خارج المغرب، خاصة في جبل طارق وجربة، ولعب لنادي البريد بمرسيليا، وخاض تجربة إدارية في الجامعة الملكية المغربية للكريكت، وتولى مسؤولية في جمعية الصداقة المغربية الروسية.
وإلى جانب ذلك ترك كتابا في تاريخ الشطرنج العربي، وتجربة صحفية وإعلامية امتدت عقودا، ونجح في تكوين نوال وسناء وليلى، لتصبح أسرته نفسها جزءا من تاريخ الشطرنج النسوي المغربي.
ولعل أفضل وصف لمسيرته هو أنها لم تتخذ خطا واحدا، بل تشعبت بين الرقعة والحكم، والنادي والجامعة، والمدرسة والأكاديمية، والصحافة والكتاب؛ وهي استمرارية تفسر حضوره الطويل في تاريخ الشطرنج الوطني.
هامش توثيقي
استند هذا العرض إلى سجلات الاتحاد الدولي للشطرنج، وأرشيف Maroc-Echecs ومؤسسة الشطرنج المغربية/Onkoud، وأرشيف الصحافة المغربية والعربية والأجنبية، ووثائق مرتبطة ببطولات الرباط والفتح وجبل طارق، إلى جانب تصحيحات تاريخية للأستاذ الدولي محمد مبارك ريان.
كما أدرج التقرير شهادة مباشرة للأستاذ عبد الحفيظ العمري، غشت 2026، بشأن علاقته بالمكاتب الجامعية المتعاقبة، وقرارات التوقيف والطعن فيها، وحضوره التحكيمي في جبل طارق وجربة، وتجربته مع نادي البريد بمرسيليا، والجامعة الملكية المغربية للكريكت، وجمعية الصداقة المغربية الروسية، وبعض محطات نشاطه التنظيمي والتربوي.
أضف تعليق